منتدى ادارة المستشفيات

مرحبا بكم فى منتداكم
وفقنا الله الى ما يحبه ويرضاه
منتدى ادارة المستشفيات

منتدى خاص بطلاب دبلومة ادارة المستشفيات جامعة عين شمس

 

 

 

مرحبا بالزائر رقم

المواضيع الأخيرة

» سؤال مهم جدا
الخميس 24 أبريل 2014 - 0:40 من طرف amr rad

» مطلوب وظائف بمستشفي الرحمة التخصصي بمصر الجديدة
السبت 19 أبريل 2014 - 22:07 من طرف خالد عاطف عبد المجيد

» د حاتم البيطار محاضر طبي تحت الطلب
الأربعاء 9 أبريل 2014 - 4:55 من طرف د حاتم البيطار

» ارجو المسااااعده في مشروع التخرج الخاص بمجالكم
السبت 8 فبراير 2014 - 17:05 من طرف زائر

» شركه توريدات ادوات نظافه جنرال للمستشفيات
الإثنين 3 فبراير 2014 - 14:35 من طرف شركه ابويوسف للتوريدات

» شركه توريدات ادوات نظافه جنرال للمستشفيات
الإثنين 3 فبراير 2014 - 14:32 من طرف شركه ابويوسف للتوريدات

» ملخص ماده القياده والموارد البشريه
الأحد 24 نوفمبر 2013 - 18:19 من طرف محمود خصيب

» متى بدء الدراسه
الأربعاء 18 سبتمبر 2013 - 1:50 من طرف زائر

» متى يتم قبول دفعة 2013
الثلاثاء 20 أغسطس 2013 - 10:31 من طرف elymany

    رواية.. أنت لي

    شاطر

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    رد: رواية.. أنت لي

    مُساهمة  littledoctor في الثلاثاء 5 يوليو 2011 - 13:09

    بكل احترام كتب:صباح الخير
    لقد قراءت 3 فصول ولكنى انشغلت عن العمل واعتقد اننى سوف اعاود استكمال القصة فى اقرب وقت
    قصة جميلة عودة الى قصص الاسرة
    اتشوق الى استكمال باقى القصة

    يا ريت تتابعها معانا و تعرفنا رايك

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    الحلقة الثالثة عشر و الرابعة عشر

    مُساهمة  littledoctor في الثلاثاء 5 يوليو 2011 - 14:02


    الحلقةالثالثةعشر
    ****************


    ذهبنا أنا و دانة لرفع الأطباق عن المائدة
    كان الضيف مع أبي و سامر ، و وليد في غرفة الضيوف ، فيما تعد والدتي الشاي في المطبخ .
    لأن سامر يجلس عادة إلى يسار والدي ، فلا بد أن الضيف قد جلس إلى يمنه ، و لابد أن الكرسي المجاور له كان كرسي وليد ...

    " من كان يجلس هنا ؟ "

    سألت ، بشيء من البلاهة المفتعلة ، فأجابتني دانة بسخرية و هي ترفع الأطباق :

    " ما أدراني ؟ أتصدقين ... لم أكن معهم !
    أقصد كنت أجلس على الكرسي المقابل لكنني لم أنتبه لمن كان يجلس أمامي ! "

    قلت :

    " و ما دمت قد كنت جالسة معهم ، فلماذا لا أرى أطباقا أمام مقعدك ؟؟ "


    رفعت دانة نظرها عن السكاكين و الملاعق و الأشواك التي كانت تجمعها ، و هتفت بغضب و حدة :

    " رغد ! "

    و هي تحرك يدها مهددة برميي بالسكاكين !

    قلت بسرعة :

    " حسنا حسنا لن أسأل المزيد "

    و صمتنا للحظة

    ثم عدت أقول :

    " الشخص الذي كان يجلس هنا ... لم يأكل شيئا ! ربما لم يعجب الضيف طعامنا ! "

    كنت أريد منها فقط أن تقول شيئا يرجح استنتاجي بأن وليد كان هو من يجلس على هذا المقعد ...
    جلست على ذلك المقعد ، و أخذت إحدى الفطائر من الطبق الموضوع أمامي و بدأت بقضمها

    التفتت إلى دانة ناظرة باستهجان :

    " ماذا تفعلين ؟؟ !"

    مضغت ما في فمي ببطء شديد ثم ابتلعته ، ثم قلت :

    " أرى ما إذا كانت الفطائر في هذا الطبق غير مستساغة ! لكنها لذيذة ! لم لم تعجبه ؟؟ "

    طبعا كنت أتعمد إثارة غيظها ! فأنا أريدها أن تأمرني بالمغادرة فورا لأنجو من غسل عشرات الأطباق ... فقد تعبت !

    دانة كانت على وشك الصراخ بوجهي ، إلا أن والدتنا أقبلت داخلة الغرفة لتساعدنا في رفع الأطباق و تنظيفها ، فأسرعت بالنهوض و عملت بهمة و نشاط خجلا منها !

    بعد أن انتهيت من درس الغسيل هذا ذهبت إلى غرفتي و أنا متعبة و أتذمر
    كنت قلقة بشأن بشرة يدي التي لا تتحمل الصابون و المنظفات
    أخذت أتلمسها و شعرت بجفافها ، فأسرعت إلى المرطبات و المراهم ، و دفنت جلدي تحت طبقة بعد طبقة بعد طبقة منها !

    قلت في نفسي :

    " رباه ! إنني لا أصلح لشيء كهذا ! كيف سأصبح ربة منزل ذات يوم ؟ لا أريد أن أفقد نضارتي ! "

    و تذكرت حينها موضوع زواجنا الذي كدت أنساه !
    لا أعلم ما إذا كان سامر قد تحدث مع والدي بشأن الزواج أم لا ... فقد شغلنا جميعا حضور وليد عن التفكير بأي شيء آخر ...

    اضطجعت على سريري بعد فترة ، و أنا متوقعة أن أنام بسرعة من شدة الإرهاق ... إلا أن أفكارا كثيرة اتخذت من رأسي ملعبا ليلتها و حرمتني من النوم ... !

    حتى هذه اللحظة لا زلت أشعر بشيء يحرق داخل عيني ...
    إنها نظرة وليد المرعبة الحادة التي أحرقتني ...
    تقلبت على سريري كما تُقلّب السمكة أثناء شويها !
    كنت أشعر بالحرارة في جسدي و فراشي ...
    فنظرت من حولي أتأكد من عدم انبعاث الدخان !

    لماذا حدّق بي وليد بهذا الشكل ؟؟

    تحسست يدي اليمنى باليسرى ، و كأنني لا أزال أشعر بالألم فيها بل و توهمت توهجها و احمرارها ... و حرارتها ...
    إنه طويل جدا ! لا يزال علي ّ رفع رأسي كثيرا لأبلغ عينيه ...
    و رفعت رأسي نحو السقف ، أعتقد أنني رأيت عينيه هناك ! معلقتين فوق رأسي تماما ...

    بسرعة سحبت البطانية و غطيت رأسي كاملا ... و بقيت هكذا حتى نفذت آخر جزيئات الأوكسجين من تحت البطانية فأزحتها جانبا ، و انتقل الهواء البارد المنعش إلى صدري مختالا ، إلا أن حرارتي أحرقته ، فخرج حارا مخذولا !

    عدت أنظر إلى السقف ، و أتخيل عيني وليد ... و أنفه المعقوف !
    و أتخيله يضع نظارة سامر السوداء التي تلازمه كلما خرج من المنزل ، كم ستبدو مناسبة له !

    لا أعرف كم من الوقت مضى و أنا أتفرج على الأفكار السخيفة و هي تلعب بحماس داخل رأسي !
    كنت أريد أن أنام و لكن ...
    نظرت إلى ساعة الجدار و رأيت عقربيها الوامضين يشيران إلى الساعة الواحدة ليلا ...
    ليس من عادتي أو عادة أفراد عائلتي السهر ... لابد أن الجميع يغط الآن في نوم عميق فيما أنا مشغولة بعيني وليد !

    لدى رؤيتي للساعة تذكرت شيئا فجأة ، فجلست بسرعة :

    " الساعة ! "

    و بسرعة خاطفة ، نهضت عن سريري و خرجت من الغرفة و ركضت نحو غرفة الضيوف ...

    لقد وجدت الباب مغلقا ، فوقفت حائرة ...
    ترى هل يوجد أحد بالداخل ؟؟
    و خصوصا من النوع الذي تتعلق عيناه في الأسقف ؟؟

    قربت رأسي و تحديدا أذني من الباب ، قاصدة الإصغاء إلى أي صوت قد يدل على وجود شخص ما ، مع أنني واثقة من أن أذني ليستا خارقتين ما يكفي لسماع صوت تنفس بشر ما يفصلني عنه باب و عدة خطوات !

    لكني على الأقل ، لم أسمع صوت المكيف !

    لمست مقبض الباب الحديدي ، و لأنه لم يكن باردا اعتمدت على هذا كدليل قاطع يثبت أن المكيف غير مشغل ، و بالتالي فإن أحدا ليس بالداخل !

    أعرف !
    أنا أكثر ذكاءا من ذلك ، لكن هذه اللحظة سأعتمد على غبائي !
    فتحت الباب ببطء و حذر ... و تأكدت حينها أنه لم يكن هناك أحد...
    أضأت المصباح و توجهت فورا إلى المكان الذي وقعت فيه الساعة بعد ارتطامها بالحائط ... خلف المعقد الكبير ...

    كانت هناك مسافة لا تتجاوز البوصتين تفصل المقعد الكبير عن الجدار ...
    حاولت النظر من خلال هذا المجال الضيق إلا أنني لم أستطع رؤية شيء

    صحيح أن حجمي صغير إلا أن يدي أكبر من أن تنحشر في هذه المساحة الضيقة محاولة استخراج الساعة !

    " تبا ! ماذا أفعل الآن ؟؟ "

    شمّرت عن ذراعي ، و تأهبت ... ثم أمسكت بالمقعد الكبير و حاولت تحريكه للأمام محاولة مستميتة
    لكن مفاصلي كادت أن تنخلع دون أن يتزحزح هذا الجبل عن مكانه قدر أنملة !

    " أرجوك أيتها الساعة أخرجي من هناك ! "

    ليتها كانت تسمعني ! لماذا لم يصنع الإنسان ساعة تمشي على أرجل حتى يومنا هذا ؟؟

    شعرت بإعياء في عضلاتي فارتميت على ذلك المقعد ...
    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    رباه !
    ستضطر غاليتي للمبيت بعيدة عني ... مجروحة و حزينة و لا تجد من يواسيها !
    وضعت وسادة المقعد على صدري و أرخيت عضلاتي ...
    لم أشعر بنفسي ...
    و لا حتى بالحر الذي يكوي داخلي قبل خارجي
    و استسلمت للنوم !

    و لا للحظة واحدة بعد النبأ القاتل ، استطعت أن أرتاح ...
    متمدد على سريري منذ ساعات ... و أفكر في نهايتي البائسة ...
    طلع النهار منذ مدة و امتلأت الغرفة ضوءا مزعجا ، أصبحت أكرهه ... بل و أكره الشمس التي أجبرت عيني على استقبال النور ...

    نهضت عن السرير و أنا أحس بالآلام في جميع مفاصل بدني ... و ما أن جلست ، حتى وقعت أنظاري التائهة على أشلاء الصورة المبعثرة فوق أرضية الغرفة ..

    أتيتها ، و التقطتها قطعة قطعة و كومتها فوق بعضها البعض و ضممتها إلى صدري ...

    وضعتها في جيبي ، و هممت برمي أجزاء الورقة الممزقة ، لكنني لم أقو على ذلك ...

    كيف لي أن أمحو من الوجود شيئا جاءني منك ؟؟
    آخر شيء جاءني منك ...
    و آخر شيء سأستلمه على الإطلاق ...
    كان الصباح الباكر ... حملت علبة سجائري و خرجت من الشقة و إلى الشارع ، و أخذت أتمشى ...

    لم يكن هناك سوى بعض السيارات تمر بين الفينة و الأخرى ، و بعض عمال النظافة متناثرين في المنطقة بزيهم المزعج اللون ...

    لم يكن في المنظر ما يبهج النفس أو يريح الأعصاب ...

    بدأت أدخن السيجارة تلو الأخرى ، فهذا هو الشيء الوحيد الذي يشعرني بالراحة المزيفة ...

    تفكيري لم يكن صافيا ، إلا أنني عزمت على الرحيل عائدا إلى بيتي ...

    بعد قرابة الساعتين ، عدت للشقة فوجدت سيف و قد خرج توه من دورة المياه بعد حمام منعش ، تفوح منه رائحة الصابون ...

    ألقى علي تحية الصباح بمجرد أن رآني ، فرددت و أنا أشعر بالخجل من رائحة السجائر المنبعثة مني إزاء رائحة النظافة و الصابون الصادرة منه !

    " هل نمت جديا ؟؟ لا تبدو نشيطا ! "

    قال سيف ذلك ، و هو يدقق النظر في الهالتين السوداوين اللتين تحيطان بعيني الكئيبتين الحمراوين ...

    لم يكن علي أن أجيب ، فقد جاءه الجواب بليغا من مظهري ...

    قال سيف :

    " أنني أفكر في الطعام ! ألديكم في البيت ما يؤكل أم أفتش عن مطعم !؟ "

    كان يقول ذلك بمرح و دعابة ، لكني كنت في حالة سيئة للغاية ... أسوأ من أن تسمح لي بأي تفكير لائق أو ذوق سليم ، قلت :

    " دعنا ننطلق الآن "

    سيف تسمر في موضعه و حدق بي بدهشة ! لكن إشارات الإصرار الصارخة في عيني طردت من رأسه أي شكوك حول جديتي في الأمر من عدمها ...

    " الآن ؟؟ "

    " نعم ... لم علينا الانتظار للغد ؟؟ تبدو في قمة النشاط و لا ضير من السفر الآن "

    سيف صمت قليلا ثم قال :

    " عائلتك ... أتظن أنهم .... ... "

    رفعت زاوية فمي اليمنى باستهتار و سخرية ثم تنهدت تنهيدة قصيرة و قلت :

    " لم يعد لي مكان بينهم ... فكما نسوني طوال السنوات الثمان الماضية ، و عاشوا حياتهم دون تأثر ، عليهم اعتباري قد مت من اليوم فصاعدا ...
    بل من البارحة فصاعدا "

    لقد كنت محبطا و لا أرى إلا سوادا في سواد ...

    بقيت واقفا عند الباب أنتظر أن يجمع سيف أشياءه و لم أبادر بمساعدته ، سيف لم يحاول مناقشتي في الأمر و إن كنت أرى الاعتراض مختبئا خلف جفونه

    كان الوقت لا يزال باكرا ، ركبنا السيارة و انطلقنا ...

    " سأمر لوداعهم "

    نعم وداعهم
    بعد كل الذي تكبلت من أجل العودة إليهم
    بعد كل تلك السعادة التي عشتها يوم الأمس
    بعد كل الحرمان و الضياع ...
    أودعهم !
    كيف لي أن أقيم معهم و قد انتهى كل معنى لوجودي ؟؟

    لم يكن في الشارع غير القليل من السيارات و الناس ... و كان المشوار قصيرا
    و حين وصلنا ، ركن سيف السيارة جانبا و نزلنا سوية .

    كان والدتي هي من استقبلنا عند المدخل
    و بمجرد أن دخلت ، أقبلت نحوي تعانقني و ترحب بي بحرارة ، و كأنها لم ترني يوم الأمس ...

    قلت :

    " سيف معي ... "

    و كان سيف لا يزال واقفا خلف الباب ينتظر الإذن بالدخول

    " دعه يتفضل ، خذه إلى غرفة المعيشة حيث والدك ، فغرفة الضيوف حارة الآن "

    ثم انصرفت نحو المطبخ ، فيما فتحت الباب لسيف :

    " تفضل "

    و ذهبنا إلى غرفة المعيشة حيث كان والدي جالسا يقرأ إحدى الصحف ...
    في الماضي ، كنت كثيرا ما أقرأ أخبار الصحف له !

    " صباح الخير يا أبي "

    والدي قام إلينا مرحبا بحرارة هو الآخر ... و اتخذ كلاهما مجلسه ، فيما استأذنت أنا و خرجت من الغرفة قاصدا المطبخ ، و تاركا الباب مفتوحا ، تشيعني نظرات سيف من الداخل !

    هناك كانت والدتي واقفة عند الموقد و قد وضعت إبريقا كبيرا مليئا بالماء ليغلي فوق النار ...

    ابتسمت لدى رؤيتي و قالت :

    " لم أعلم أنك غادرت البارحة إلا بعد حين ... اذهبا أنت و سامر اليوم لشراء طقم غرفة نوم جديد ، سنعد لك غرفة الضيوف لتتخذها غرفة لك "

    طبعا لم أملك من الشجاعة لحظتها ما يكفي لقول ما أخبئه في صدري ...
    قلت ـ محاولا تغيير سير الحديث :

    " هل تناولتم فطوركم ؟ "

    " ليس بعد ، فسامر و الفتاتان لا زالوا نياما !"

    و استطردت :

    " سأعد لكم فطورا شهيا ... ، شغّل المكيف في غرفة الضيوف الآن ثم خذ الضيف إليها "

    " حسنا "

    و هممت بالانصراف ، فقالت أمي :

    " قل لي ... أي طعام تود تناوله على الفطور يا عزيزي ؟؟ "

    إنني لا أفكر بالطعام و لولا سيف لكنت اختصرت المسافة و ودعتكم و انتهينا ...

    قلت بلا مبالاة :

    " أي شيء ... "

    ثم خرجت من المطبخ متجها إلى غرفة الضيوف لتشغيل المكيف .

    كان الباب مفتوحا ، دخلت و ذهبت رأسا إلى المكيف فشغّلته و استدرت لأعود خارجا
    فاصطدمت عيناي بشيء جعل قلبي يتدحرج تحت قدمي !

    ربما كان صوت المكيّف هو الذي جعل هذا الكائن الحي يفيق فجأة ، و يفتح عينيه ، و يهب جالسا في فزع !

    أخذت تنظر إلي بتوتر و اضطراب و تتلفت يمنة و يسرة ، بينما أنا متخشب في مكاني ... لا أعرف ماذا أفعل !

    ببساطة لا أعرف ماذا أفعل !

    ثم ماذا ؟

    رفعت الوسادة المربعة الشكل التي كانت موضوعة فوق حضنها و غطت بها وجهها و هبّت واقفة مستترة خلف الوسادة ، و ركضت نحو الباب !

    " رغد انتظري ! "

    توقفت ، و هي لا تزال تخبئ رأسها خلف الوسادة و أنا لا أزال واقفا مكاني لا أعرف ما أفعل من المفاجأة !

    ربما أخطأت و شغلت المكيف على وضع التدفئة ! الجو حار ... حار ... حار !
    و قطرات العرق بدأت تتجمع على جبيني و شعري أيضا ... !

    اعتقد أنه موقف لا يترك للمرء فرصة للتفكير ، إلا أنني تذكرت سيف ، و هو يجلس في موقع يسمح له برؤية العابر في الممر ... و الباب مفتوح !

    " أأ ... صديقي هنا ... سأغلق الباب ... لحظة ... "

    كانت تقف قرب الباب و حين أتممت جملتي تراجعت للوراء حتى التصقت بالجدار فسرت أنا نحو الباب و خرجت و عمدت إلى باب غرفة المعيشة فأغلقته دون أن أرفع بصري نحو سيف الذي و لا شك كان يراني ...

    عدت بعدها للفتاة الملتصقة بالحائط و الوسادة ... وقلت باضطراب :

    " أنا ... آسف ... لم أعلم ... أقصد لم أنتبه ... أأ... "

    و لم أجد كلمة مناسبة !

    مسحت العرق عن وجهي و قلت أخيرا :

    " يمكنك الذهاب "

    و أوليتها ظهري ، و سمعت خطاها تبتعد مسرعة...

    تهالكت على نفس المقعد الكبير الذي كانت رغد نائمة فوقه و شعرت بالحرارة تزداد ...

    لقد كان دافئا بل و حارا أيضا !

    ما الذي يدفعك للنوم في هذا المكان و بدون تكييف !؟

    و تتدثرين بالوسادة أيضا !

    يا لك من فتاة !

    لا أعرف كيف تسللت ابتسامة إلى قلبي ...

    لا ! ليست ابتسامة بل شيء أكبر من ذلك

    إنها ضحكة !

    لم يكن ظرفا مناسبا للضحك و حالتي كما تعرفون هي أبعد ما تكون عن السعادة ، لكنه موقف أجبر ضحكتي على الانطلاق ...

    لم يطل الأمر ... وقفت ، و أخذت أحدق بالمقعد الذي كانت رغد تنام عليه ... ثم أتحسسه بيدي ...

    عندما كانت رغد صغيرة ، كنت أجعلها تنام فوق سريري و أظل أراقبها بعطف ...

    و أداعب شعرها الأملس ...

    كانت تحب أن تحتضن شيئا ما عند النوم ... كدمية قماشية أو بالونة أو حتى وسادة !

    و كم كانت تبدو بريئة و ملائكية !

    لم يكن لضحكتي تلك أي داع لأن تولد وسط مجتمع الدموع الحزينة ، سرعان ما لقت حتفها بغزو دمعة واحدة تسللت من بين حدقتي قهرا ... و حسرة ... على ما قد فقدت ...
    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    لم أدرك أنني نمت حيث كنت ، على ذلك المقعد الكبير الثقيل ، ( الكنبة ) إلا بعد أن استفقت فجأة فرأيت عيني وليد تحدقان بي !

    فزعت ، و نظرت من حولي و اكتشفت أنني كنت هنا !

    كان جسمي حارا و العرق يتصبب منه ، و جلست مذعورة أتلفت باحثة عن شيء أختفي خلفه ... و لم أجد غير وسادة المقعد التي كنت ألتحفها
    غطيت بها وجهي و قمت مسرعة أريد الهروب !

    لا أصدق أنني وصلت غرفتي أخيرا بسلام ! يا إلهي ما الذي يحدث معي !؟
    كيف نمت بهذا الشكل ؟؟ و كيف لم يوقظني الحر ؟؟
    و ما الذي كان يفعله وليد هناك ؟؟؟

    كنت لا أزال أحتضن الوسادة و أسند ظهري إلى الباب الموصد ، و ألتقط أنفاسي بقوة !

    كانت غرفتي باردة و لكن ليس هذا هو سبب ارتعاش أطرافي !

    كم أنا محرجة من وليد !
    أمس يراني بقطعة عجين تغطي أنفي و اليوم بهذا الشكل !
    ماذا سيظنني ؟؟
    كما تقول دانة .. علي ّ ألا أغادر غرفتي بعد الآن !

    كنت أشعر بعينيه تراقباني ! أحس بهما معي في غرفتي الآن !

    ببلاهة نظرت إلى السقف ، في الموضع الذي توهمت رؤيتهما فيه البارحة و تورد خداي خجلا !

    لماذا أشعر بالحرارة كلما عبر وليد على مخيلتي ؟؟؟

    و لماذا تتسارع دقات قلبي بهذا الشكل ؟؟

    بعد أن تجمعت الأشياء التي تبعثرت من ذاتي أثر الفزع نعمت بحمام منعش و بارد و ارتديت ملابسي و حجابي و ذهبت بحذر إلى المطبخ ...

    كانت أمي تنظف السمك عند المغسل ، قلت باستياء :

    " صباح الخير أمي ! لا تقولي أن غذاءنا اليوم هو السمك ! "

    ابتسمت والدتي و قالت :

    " صباح الخير ! إنه السمك ! "

    أطلقت تنهيدة اعتراض ، فأنا لست من عشّاق السمك كما و أنني لا أريد حصة طبخ جديدة هذا اليوم !

    " ألم تنهض دانة بعد ؟؟ "

    سألتني ، قلت :

    " ليس بعد ... "

    ثم غيرت نبرة صوتي و قلت :

    " ألدينا ضيوف اليوم ؟؟ "

    " إنه صديق وليد ... سيف ... ، لسوف نستضيفه و نكرمه حتى يسافر غدا ، فهو الذي ساعد ابني على ... "

    و توقفت أمي عن الكلام ...

    " على ماذا ؟ "

    قالت بشيء من الاضطراب :

    " على ... على الحضور إلى هنا ... فلم يكن يعرف أين نحن ! "

    أنا تركت رسالة أخبر فيها وليد بأننا رحلنا إلى هذه المدينة ! لا أدري إن كان قد وجدها ! بالطبع لا ... كيف كان سيدخل إلى منزل موصد الأبواب !؟

    كم أنا متلهفة لمعرفة تفاصيل غيابه ... دراسته ... عمله ... كل شيء !

    سكبت لي بعض الشاي ، و توجهت نحو الطاولة الصغيرة الموجودة على أحد جوانب المطبخ قاصدة الجلوس و احتسائه على مهل

    فيما أنا في طريقي نحو الطاولة ، و إذا بوليد و سامر مقبلين ... يدخلان المطبخ !

    ما أن وقع بصري على وليد حتى اضطربت خطاي و اهتزت يدي ، و اندلق بعض الشاي الحار على أصابعي فانتفضت أصابعي فجأة تاركة قدح الشاي ينزلق من بينها و يهوي ... و يرتطم بالأرضية الملساء ساكبا محتواه على قدمي و ما حولها !

    " آي "

    شعرت بلسعة الشاي الحار و ابتعدت للوراء و أنا أهف على يدي لتبريدها ...

    سامر أقبل مسرعا يقول :

    " أوه عزيزتي ... هل تأذيت ؟ ! "

    قلت :

    " أنا بخير "

    و أنا أتألم ...

    سامر أسرع نحو الثلاجة و أخرج قطعة جليد ، و أتى بها إلي ، أمسك بيدي و أخذ يمررها على أصابعي ...
    لملامسة الجليد لأصابعي شعرت بالراحة ...

    قلت :

    " شكرا "

    و ابتسم سامر برضا .

    تركته مشغولا بتبريد أصابعي و سمحت لأنظاري بالتسلل من فوق كتفه ، إلى ما ورائه ...

    كان يقف عند الباب ، سادا بطوله و عرضه معظم الفتحة ، يحدق بنا أنا و سامر بنظرات مخيفة !

    لا أعرف لماذا دائما تشعرني نظراته بالخوف ... و الحرارة !

    الجليد أخذ ينصهر بسرعة ....

    رفعت أنظاري عنه و بعثرتها على أشياء أخرى ، أقل إشعاعا و حرارة ... كالثلاجة كإبريق الشاي ، أو حتى ... لهيب نار الموقد !

    لكني كنت أشعر بها تحرقني عن بعد !

    أأنتم واثقون من أنكم لا تشمون شيئا ؟؟

    وليد الآن تحرك ، متقدما للداخل ... و مبتعدا عنا ، و متوجها نحو أمي ...

    قال :

    " ماذا تصنعين أماه ؟ "

    " سأحضر لكم السمك المشوي هذا اليوم ... ألم يكن صديقك يحبه في الماضي حسب ما أذكر ؟؟ "

    سكت وليد برهة ثم قال :

    " لا داعي ... يا أمي .. "

    و سكت برهة أخرى ثم واصل :

    " سوف يسافر سيف الآن ... "

    جميعنا ، أنا و سامر و أمي ، نظرنا إلى وليد باهتمام ...

    قالت أمي :

    " يسافر ؟ ألم تقل أنه سيبقى حتى الغد ؟ "

    " بلى ... لكن خطته تغيرت و سيخرج ... فورا "

    قال ( فورا ) هذه بحدة و هو ينظر باتجاهنا أنا و سامر

    أمي قالت :

    " اقنعه يا وليد بالبقاء حتى وقت الغذاء على الأقل ... اقنعه بني ! "

    وليد كان لا يزال ينظر باتجاهنا ، و رأيت يده تنقبض بشدة و وجهه يتوهج احمرارا و على جبينه العريض تتلألأ قطيرات العرق ...

    لم يكن الجو حارا و لكن ...

    هذا الرجل ... ناري ... ملتهب ... حار ... يقدح شررا !

    نظر إلى أمي نطرة مطولة ثم قال :

    " أنا ... ذاهب معه "

    سامر ، ترك قطعة الجليد فوق أصابعي و استدار بكامل جسده نحو وليد ، كما فعلت أمي ...

    قال سامر :

    " عفوا ؟؟ ماذا ؟؟ "

    وليد لم ينظر إلى سامر بل ظل يراقب تعابير وجه أمي ، المندهشة الواجمة ، و قال :

    " نعم أمي ... سأسافر معه ... حالا "

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    لم تجد ِ الدموع و النداءات و التوسلات التي أطلقها أفراد عائلتي في صرف نظري عن السفر ...

    بل إنني و في هذه اللحظة بالذات ، أريد أن أختفي ليس فقط من البيت ، بل من الدنيا بأسرها
    لقد كانت حالة أمي سيئة جدا ... و لكن صورة الخائنين و أيديهما المتلامسة ... و قطعة الجليد المنزلقة بدلال بين أصابعهما أعمت عيني عن رؤية أي شيء آخر ...

    و أقيم مهرجان مناحة كبير ساعة وداعي ...

    كان يجب أن أذهب ، و لم يكن لدي أية نوايا بالعودة ... فقد انتهى كل شيء ...

    تحججت بكل شيء ...

    أوراقي ... شهادتي ... أشيائي ... و كل ما خطر لي على بال ، من أجل إقناعهم بتسليمي مفاتيح المنزل ...

    سيف ينتظرني في السيارة ، و هم متشبثون بي يعيقون خروجي ، محيطون بي من الجهات الأربع ... أمي و أبي ، و أختي و أخي الخائن ...

    أما الخائنة رغد ... فكانت تراقب عن بعد ... إذ أنني لم أعد شيئا يجوز لها الاقتراب منه ...

    للحظة اختفت رغد ، و صارت عيناي تدوران و تجولان فيما حولي ...

    أين أنت ...؟؟

    أين ذهبت ؟؟

    أعليها أن تحرمني حتى من آخر لحظة لي معها ؟؟

    آخر لحظة ؟؟

    كنت ممسكا بالباب في وضع الخروج ... أردت أن أسير خطوة نحو الخارج إلا أن قبضة موجعة في صدري منعتني من الخروج قبل أن ... أراها للمرة الأخيرة ...
    فقط ... للمرة الأخيرة ...

    " أين رغد ؟؟ "

    قلت ذلك ، و عدت نحو الداخل أفتش عنها

    وجدتها في غرفة الضيوف و كانت للعجب ... تحاول تحريك المقعد الكبير عن مكانه !

    " رغد ... ! "

    التفتت إلي ، فرأيت الدموع تغرق عينيها فيما هي تحاول جاهدة زحزحة المقعد

    دموع رغد تقطع شرايين قلبي ...

    أشعر بالدماء تغرق صدري و رئتي ... و تسد مجرى هوائي ....

    إنني أختنق يا رغد !

    ليتك تحسين بذلك ...

    " ماذا تفعلين ؟؟ ألن ... تودعيني ؟؟ "

    هزّت رأسها نفيا و اعتراضا ...

    تقدمت نحوها ، و أمسكت بالمقعد و حركته عن موضعه نحو الأمام بالشكل الذي أرادت ، فأسرعت هي إلى خلفه ، و انحنت على الأرض و التقطت شيئا ما ، لم يكن غير ساعتي القديمة ...

    رغد أقبلت نحوي تمد يدها إلي بالساعة و تقول :

    " لقد تركت الجميع يسخر مني ... و أنا محتفظة بها و أرتديها في انتظار عودتك كما وعدت ! لكنك كذبت علي ... و لم تعد ! "

    و رمت بالساعة نحوي فأصابت أنفي ...

    انحنيت و رفعت الساعة عن الأرض ... و بقينا نحدق ببعضنا لبرهة ، ثم قلت :

    " لم تعودي بحاجة للاحتفاظ بها ... فصاحب الساعة ... لم يعد موجودا "

    و أوليتها ظهري ، و انصرفت نحو باب المدخل ...

    لم أعط بصري الفرصة لإلقاء أي نظرة على أي منهم ... لم ألتفت للوراء ... و كنت اسمع نداءاتهم دون أن أستجيب لها ...

    تريدون عودتي ؟؟
    أعيدوا رغد إلي أولا !
    أم تظنون أنني سأحتمل العيش بينكم ، و هي ... خطيبة لأخي ؟؟
    دون رغد ... فإن وليد لم يعد له وجود على وجه الأرض ...
    ألا تدركون ذلك ؟؟
    ألا تدركون ما فعلتم بي ؟؟
    قتلتموني ...
    شر قتلة ...


    " وليـــــــــــــــــــــد "


    كان هذا صوت رغد ... يخترق أذني ... و رأسي ... و قلبي ... و كل خلية ... و كل ذرة من جسدي ...

    لم أستطع أن أقاوم ... التفت نحو الوراء و لم أر شيئا ... غير طفلة صغيرة ... ضئيلة الحجم ... دائرية الوجه ... واسعة العينين ... خفيفة الشعر ... يتدلى شعرها القصير الأملس على جانبيها بعفوية ... ترفع ذراعيها نحوي بدلال و تقول :

    " وليـــــــــــــــد ... احملني ! "

    " رغد ... تعالي ! "

    رأيت شبحها يقبل نحوي ... راكضا ... ضاحكا ... حاملا في يده اليمنى دفتر تلوين ... و في الأخرى صندوق الأماني ... و يمد ذراعيه إلي ...
    فأطير به إلى الهواء ...
    إلى الفضاء ...
    إلى السماء ...
    إلى حيث ترتفع أرواح الموتى ...
    و تصعد دعوات المعذبين ...

    يا رب ...
    أتوسل إليك ...
    أرجوك ...
    خذني إليك ...
    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~


    الحلقةالرابعةعشر
    ****************


    طريق العودة لم يكن بأقل مشقة من طريق الذهاب ...
    ألا أنني بسبب التعب و الإجهاد النفسي نمت معظم ساعات النهار الأول .

    حطام الأشياء التي أراها من حولي لا يختلف عن حطام قلبي ... إلا أن الجماد لا ينزف دما

    التلاوة المنبعثة من مذياع السيارة بصوت قارئ رخيم عذب هي الشيء الوحيد الذي خفف على قلبي آلام التمزق و التقطع و الاحتراق ...

    توالت الساعات ، و كنت أتابع باهتمام مزيف كل ما أسمعه من المذياع هروبا من التفكير في الطريق الذي ولى ... و الطريق القادم ...

    في الماضي ... و المستقبل ...

    بلغنا مدينتنا قبيل غروب الشمس الثالثة التي أنارت دربنا ...

    " خذني إلى بيتي "

    قلت ذلك و نحن أمام مفترق طرق ، يؤدي أحدهم إلى بيتي و آخر إلى بيت سيف

    " الآن ؟ دعنا ننزل بيتنا و نرتاح من عناء المشوار الطويل ... "

    " أرجوك يا سيف ... إلى بيتي ... "

    لم أكن هذه المرة أشعر بأي شوق أو حماس لدخول المنزل المهجور

    و سيف هم ّ بالحضور معي أل أنني قلت :

    " لابد أن والديك في انتظارك الآن ... سأشكرك كما ينبغي لاحقا ، بلغهما تحياتي "

    كان سيف قلقا بشأني و لكنني صرفته ، و دخلت المنزل المظلم وحيدا .

    رفعت يدي لإنارة المصباح ، بل المصابيح واحدا تلو الآخر فاكتشفت أن الكهرباء مقطوعة .

    و على الضوء الباقي من آخر خيوط الشمس ، سرت في منزلي الكئيب الساكن و صعدت إلى الطابق العلوي ...

    ذهبت رأسا إلى غرفة نومي ... أخرجت المفاتيح ، ثم فتحت الباب ببطء ...

    و خطوت خطوة إلى الداخل ...

    سرعان ما عادت بي السنين إلى الوراء ...

    حين كنت فتى مراهقا في بداية التاسعة عشر من العمر ... أجلس على هذا الكرسي أذاكر بشغف ...
    يا إلهي !
    لا تزال كتبي التي تركتها على المكتب في مكانها !
    مفتوحة كما تركتها قبل ثمان سنين !

    جلت ببصري في الغرفة ... و فوجئت برؤية الأشياء كما هي ...

    تقدمت خطوة بعد خطوة ...

    السرير ... نفس البطانية و الأغطية التي كانت عليه قبل رحيل ...

    اقتربت من المكتب ... إنه كتاب الرياضيات الذي كنت أقرأه آخر ليلة قبل الرحيل ، استعدادا لامتحان الغد !

    و قلم الرصاص لا يزال موضوعا على الصفحة المفتوحة ...

    و بقية الكتب مبعثرة على الطاولة تماما كما تركتها منذ ذلك الزمن ...

    مددت يدي فلمست الغبار الذي يغطي الكتاب ، و كل شيء ...

    فتحت الأدراج لألقي نظرة ... لا شيء تغير ! لا يبدو أن أحدا قد وطأ أرض هذه الغرفة مذ هجرتها

    استدرت نحو سريري ... لطالما احتضنني هذا السرير و امتص تعبي و أرقي ... ألا زال يصلح للنوم ؟ أأستطيع رمي أثقال صدري و جسدي عليه ؟؟

    كان أيضا غارقا في الغبار ... و مع ذلك رميت بجسدي المهموم عليه و سمحت لسحابة الغبار أن تحلق ... و تنتشر ... و تهاجم أنفي و تخنقني أيضا ...

    داهمتني نوبة من العطاس إثر استنشاقي لغبار الزمن ، فنهضت و تلفت من حولي بحثا عن علبة المناديل
    لابد أنها ستكون مدفونة تحت طبقات من الغبار هي الأخرى ...

    لكن أنظاري التصقت فجأة بشيء يقف على أحد أرفف مكتبتي القديمة ...

    شيء أسطواني الشكل ، مغطى بطوابع و ملصقات صغيرة طفولية ...

    و من بين تلك الملصقات ، يظهر جزء من كلمة مكتوبة عليه : ( أمـاني )

    سرت ببطء شديد ، بوصة بوصة ، نحو هذا الصندوق الصغير ...

    أكان حلما أم حقيقة ؟؟

    لقد رأيته أمامي مباشرة ، و لمسته بيدي ... و رججته ، و سمعت صوت قصاصات الورق تتضارب داخله !

    صندوق أماني رغد ... لا يزال حيا ؟؟

    أمسكت بالصندوق الأسطواني ، و قربته من عيني ، ثم من صدري ، و أرخيت جفني ، و سحبت نفسا عميقا مليئا بالغبار ...

    رأيت الصغيرة مقبلة نحوي بانفعال و فرح ، حاملة كتابها بيدها :

    " وليد اصنع صندوق أماني لي "

    و رأيتها تساعدني في صناعته ...

    ثم تغطيه بالملصقات الصغيرة ...

    ثم تجلس هناك على سريري ، قرب المنضدة ، و تكتب أمنيتها الأولى ...

    (( عندما أكبر سوف أتزوج ...... ؟؟ ))

    عند هذا الحد ... ارتفع جفناي فجأة ، و انقبضت يدي بقوة ... ضاغطة على الصندوق بلا رحمة حتى خنقت أنفاسه ...

    تدحرجت عبرة كبيرة حارقة من مقلتي اليمنى ، فاليسرى ، تبعها سيل عارم من الدموع الكئيبة التائهة ، تغسل ما علق بوجهي و أنفي من الغبار العتيق ...

    شقت نظرتي طريقا سالكا بين الدموع ، مسافرة نحو صندوق الأماني المخنوق ... محرضة يدي ّ على التعاون للفتك به ... و تمزيقه كما تمزقت كل آمالي و أحلامي ... و صورة رغد و رسالتها ... و قلبي و روحي ...

    لكنني توقفت في منتصف الطريق ...

    لم أعد أرغب في رؤية ما بداخله ...

    فأنا أعرف كل شيء ...

    ( أريد أن أصبح رجل أعمال ضخم ! )

    ( أريد أن تصبح ابنة عمي رغد زوجة لي )

    ( يا رب اشف سامر و أعده كما كان )

    ( عندما أكبر سوف أتزوج .... ؟؟؟ )

    سامر قطعا ...

    كم كنتُ غبيا !

    ضغطت على الصندوق بقوة أكبر فأكبر ... و لو كان شيئا مصنوعا من الحديد لتحطم في قبضتي ...

    " أيتها الخائنة ... رغد "

    رميت الصندوق بعنف بعيدا عني ... إلى أبعد زاوية في الغرفة ، ثم خرجت هاربا من الذكرى الموجعة

    أول شيء التقيت به في طريقي كان غرفة رغد !

    فهي الأقرب إلي ...

    وقفت عند الغرفة لدقائق ... و يدي تفتش عن المفتاح بتردد ...

    رفعت يدي ... و طرقت الباب طرقا خفيفا

    ثم مددتها نحو المقبض و أمسكت به و بقيت في هذا الوضع لزمن طويل ...

    سأفتح الباب ببطء و حذر و هدوء ... قد تكون صغيرتي نائمة بسلام ... لا أريد إزعاجها

    أريد فقط أن ألقي نظرة عليها كما أفعل كل ليلة ... لا أحب إلى قلبي من رؤيتها نائمة بهدوء كالملاك .. و ملامسة شعرها الناعم بخفة ...

    نظرة أخيرة ... واحدة فقط ... أريد أن ألقيها على طفلتي ...

    رغد ... لقد اشتقت إليك كثير! ... منذ أن رأيتك و أنت نائمة ... هنا قبل ثمان سنين ، و جفناك متورمان أثر البكاء الشديد الذي بكيته ذلك اليوم المشؤوم ...

    أتذكرين كيف لعبنا يومها ؟؟

    أتذكرين البطاطا التي أطعمتك إياها ...؟؟

    ما كان يدريني أننا لن نلتقي بعد تلك اللحظة ...

    و أنها كانت المرة الأخيرة التي أتسلل فيها إلى غرفتك ، و ألقي عليك نظرة ، و أداعب خصلات شعرك ، و أقبل جبينك ...

    ارتجفت رجلاي و كذا يداي و جسمي كله ، و فقدت أي قدرة على تحريك أي عضلة في جسدي ، حتى جفوني

    لم أجسر على فتح الباب ...

    عدت أطرقه و أنادي ...

    " رغد ... صغيرتي ... افتحي ! أنا وليد ... "

    لكنها لم تفتح

    و أخذت أطرق بقوة أكبر ...

    " افتحي يا رغد ... لقد عدت إليك "

    و بقي الباب ساكنا جامدا ...

    لم تعد رغد موجودة

    و لم يعد وليد موجودا ...

    و لم يعد لفتح هذا الباب ... أي داع ...

    هويت على الأرض ... كسقف أزيلت أعمدته فجأة ... و رفعت ذراعي إلى الباب و صرخت ...

    " رغد ... عودي إلي ... "

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    من تتوقعون زارنا قبل أسبوع ؟؟

    إنها عائلة اللاعب الشهير ( نوّار ) !

    و هل استنتجتم ما سبب الزيارة ؟؟

    أجل !

    مشروع زواج !

    بصراحة أنا فوجئت بشدة ! لم أكن أعتقد أن الأمر سيسير حسبما كانت دانة ترسم ! و لكن يبدو أن هناك أمور أخرى لا أعلم عنها شيئا ...

    زيارتهم كانت بعد رحيل وليد بثلاثة أسابيع ...

    خلال الأسابيع الثلاثة تلك ، كان الجميع يعيش حالة كآبة و حزن مستمرين

    لم تطلع أو تغرب علي شمس دون أن أفكر بوليد ... و بلقائنا الحميم ، ثم نظراته القاسية ، ثم رحيله المفاجئ ...

    والدتي أصابها حزن شديد لازمت بسببه الفراش فترة من الزمن ...

    أنا أيضا حزنت كثيرا جدا ...

    أنا لم أكد أره ... لم أكد أشعر بوجوده ... إنني لا أصدق أنه عاد بالفعل ... لقد كبرت على الاعتقاد بأنه لن يعود ...

    و حقيقة ... هو لم يعد ...

    " رغد ! ألم تنهي حمّامك بعد ؟؟ "

    جاءني صوت دانة من الخارج ، تحثني على الخروج بأقصى سرعة ... كنت لا أزال أمشط شعري القصير المبلل أمام المرآة المغطاة بطبقة من الضباب !

    فتحت الباب فانطلق بخار الماء متسربا للخارج ، و وجدت دانة واقفة و ذراعاها مضمومان إلى صدرها ، تنظر إلي بحنق !

    " أهو حمام بخاري ؟ هيا اخرجي يكاد ضيوفي يصلون و أنا لم أستعد بعد ! "

    سرت ببطء شديد ، متعمدة الإطالة أقصى ما يمكن ... ! دانة تحدق بي بغضب و نفاذ صبر و تصرخ :

    " أوه يا لبرودك ! هيا أخرجي ! "

    " لم كل هذا الانفعال !؟ كأنك ستقابلين جلالة الملكة ! "

    " أنت لا تفهمين شيئا ! لا يمكنك أن تحسي بمثل أحاسيسي الآن ! لم تجربي ذلك و لن تجربيه ! "

    قالت هذا ثم دفعتني قليلا بعيدا عن الباب ، و دخلت الحمام الغارق في البخار و صفعت بالباب بقوة !

    ذهبت إلى غرفتي بكسل ... و أخذت أتابع تمشيط شعري المبلل أمام مرآتي ...

    هل تحس كل فتاة على وشك مقابلة أهل عريسها بكل هذا التوتر ؟؟
    إنهم سيعلنون الموافقة الرسمية و يناقشون شروط العقد هذه الليلة ، و سنقيم حفلة صغيرة بعد أيام لعقد القران ...

    دانة أصبحت لا تطاق بسبب توترها و عصبيتها ، لكنها سعيدة ! سعيدة جدا ...

    أنا لم أجرب هذا الإحساس ... و لا أعرف كيف يكون ... إنني فقط أعرف أنني مخطوبة لابن عمي سامر لأنني يجب أن أكون مخطوبة له ...
    و سأتزوج منه لأنني يجب أن أتزوج منه ...

    سامر في الوقت الحالي مسافر إلى مدينة أخرى ، من أجل العمل

    موضوع زواجنا تم تأجيل النقاش فيه ، بسبب حضور و رحيل وليد الذي أربك الأجواء ، ثم خطبة دانه التي شغلتنا أواخر الأيام ...

    وليد لم يتصل بنا منذ رحيله ، و والدي يحاول جاهدا الاتصال به بطريقة أو بأخرى من أجل إبلاغه عن خطبة دانه و حفلة العقد

    مجرد تفكيري بهذا الأمر يشعرني بالسعادة ... فوليد سيأتي و لا شك ... لحضور حفلة شقيقته و المشاركة فيها ...

    ألقيت بالمشط جانبا و خرجت من الغرفة في طريقي إلى المطبخ ، و وصلني صوت دانه و هي تغني داخل دورة المياه !

    أنا لم أغنِّ عند خطبتي !

    حين وصلت ، كانت أمي تتبادل الحديث مع والدي بشأن دانه ... لكنهما توقفا عن الكلام لدى رؤيتي !

    " أمي ... ماذا عن وليد ؟؟ "

    فهو كان شغلي الشاغل منذ أن رحل ...
    بل منذ أن وصل !
    أمي و أبي تبادلا نظرة سريعة ، قال والدي بعدها :

    " لقد استطعت التحدث إلى سيف ، و أوصيته بزيارة وليد بأسرع ما يمكنه ، و إبلاغه بأنتا ننتظر مكالمة ضرورية منه "

    فرحت بذلك ، و قلت تلقائيا :

    " إذن سأعتكف عند الهاتف ! "

    في ذات اللحظة رن هذا الأخير ، و قفزت مسرعة إليه !

    " مرحبا ! هنا منزل شاكر جليل ... من المتحدث ؟ "

    كانت ابتسامتي تعلو وجهي ، و حين وصلني صوت الطرف الآخر :

    " رغد ! أهذه أنت ؟؟ "

    تلاشت الابتسامة بسرعة ، و قلت بشيء من الخيبة :

    " نعم ... سامر ، إنها أنا "

    و بعد بضع عبارات تبادلناها ، دفعت بالسماعة إلى والدي :

    " إنه سامر ... لن يحضر الليلة "

    و انصرفت عن المطبخ .
    حين سافر سامر ... لم أبك كما بكت أمي ...
    و كما بكيت لسفر وليد ...

    لم يكن هناك أي هاتف في غرفة نومي ، لذا جلست في غرفة المعيشة قريبة من التلفاز ، و كلما رن هاتف بادرت برفع السماعة قبل أن تنقطع الرنة الأولى !
    و في كل مرة أصاب بخيبة أمل ....
    لكن ...
    لماذا أنا متلهفة جدا للتحدث إليه ؟؟

    بعد فترة ، حضر الضيوف المرتقبون ، العريس و والداه و أفراد أسرته .. لو أؤلف كتابا في وصف دانه لسببت أزمة ورق !

    سألخص ذلك بقول : كانت غاية في الجمال ، و الخجل ، و اللطف ، و السعادة !

    تم الاتفاق على كل شيء ، و تعين تحديد ليلة الخميس المقبلة لعقد القران !

    لم أجلس مع ضيفاتنا غير دقائق متفرقة ، و تمركزت عند الهاتف في انتظار اتصال من اتصل رجال العالم كلهم ببيتنا سواه !

    عند العاشرة و النصف ، استسلمت ...
    و ذهبت في اتجاه غرفتي ..
    مررت بغرفة دانه ، فوجدتها مشغولة بإزالة المساحيق و الإكسسوارات التي تزين بها شعرها !

    " كنت جميلة ! "

    نظرت إلي بغرور ، و قالت :

    " اعرف ! "

    ثم استطردت :

    " و سأكون أجمل في الحفلة ! علي أن أذهب للسوق غدا لشراء الحاجيات ! "

    " عظيم ! أنا أيضا سأشتري فستانا جديدا و بعض الحلي ! "

    ابتسمت دانه بسعادة ، و قالت :

    " كم أنا متوترة و قلقة ! ستكون حفلة رائعة "

    ثم أضافت ببعض الخبث :

    " أروع من حفلتك "

    لم أكن في السابق أتضايق كثيرا لتعليق كهذا ، إلا أنني الآن شعرت بالانزعاج ... قلت :

    " أنا لم تقم لي حفلة حقيقية ... لم يكن يوما مميزا "

    قالت :

    " وضعي أنا يختلف ! سأتزوج من أشهر لاعبي الكرة في المنطقة ، و أغناهم أيضا ... شيء مميز جدا ! ... والدي وعدني بليلة لا تنسى ! "

    أصابني كلامها بشيء من الخذلان و الحزن ، فأنا لم يعمل والدي لأجلي شيئا يذكر ليلة عقد قراني ... هممت بالانصراف ، توقفت قبل أن أغلق الباب ، و سألت :

    " هل سيكون وليد موجودا ؟؟ "

    شيء ما برق في عينيها و قالت :

    " نعم ، بالتأكيد سيكون موجودا ... لا يمكنه أن يتخلى عني أنا ! "

    ذهبت إلى غرفتي و أنا حزينة ...
    فوليد لم يتصل
    و دانه تسخر مني
    و من الطريقة التي تمت خطبتي بها ...
    رغم أنها كانت أكثر من أقنعني بأنه لابد لي من الزواج من سامر ...
    فهو أقرب الناس إلي ، و هو يحبني كثيرا ، و هو مشوه بشكل يثير نفور بقية الفتيات ...
    و بسببي أنا ...

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    فيما كنت أسخن بعض الفاصوليا على لهيب الموقد في المطبخ ، حضر صديقي سيف .

    لم أكن أتوقع زيارته ،كانت الساعة السادسة مساءا ، لكنني سررت بها

    " تفضل ! إنني أعد بعض الفاصوليا ... عشاء مبكر ! ستشاركني فيه "

    قلت ذلك و أنا أقوده إلى المطبخ ...

    حينما وصل و شم رائحة الفاصوليا قال بمرح :

    " تبدو شهية ! سأتناول القليل فقط ، فلدي ضيوف على العشاء هذا المساء "

    وضعت مقدارين منها في طبقين صغيرين ، مددت بأحدهما نحو صديقي و قلت :

    " جرب طهو ـ أو بالأحرى تسخين يدي ! "

    تناول سيف بعضها و استساغ الطعم ... ثم قال :

    " لكنها لا تقارن بأطباق والدتي ! يجب أن تشاركنا العشاء الليلة يا وليد "

    ابتسمت ابتسامة باهتة ، و لم أعلق ...

    " هيا يا وليد ! سأعرفك على زملائي و أصدقائي في العمل "

    قلت :

    " كلا لا يمكنني ، لدي ارتباطات أخرى "

    سيف نظر إلي باستنكار ...

    " أية ارتباطات ؟؟! "

    ابتسمت و قلت :

    " سآخذ الأطفال إلى الملاهي ! فقد وعدتهم بذلك "

    سيف كان يحرك الملعقة باتجاه فمه ، فتوقف في منتصف الطريق و قال :

    " أي أطفال ؟؟ "

    قلت بابتسام و أنا أقلب الفاصوليا في الطبق لتبرد قليلا :

    " رغد و دانة و سامر ! سأجعلهم يستمتعون بوقتهم ! "

    أعاد سيف الملعقة و ما حوت على الطبق ... و ظل صامتا بضع ثوان ...

    " ما بك ؟ ألم يعجبك ؟ "

    أعني بذلك الفاصوليا

    سيف تنهد ثم قال :

    " وليد ... ما الذي تهذي به بربك ؟؟ "

    تركت الملعقة تنساب من يدي ، و قد ظهرت علامات الجدية على وجهي الكئيب و قلت :

    " أتخيل أمورا تسعدني ... و تملأ فراغي ... "

    هز سيف رأسه اعتراضا ، و قال :

    " ستصاب بالجنون إن بقيت هكذا يا وليد ! بل إنك أصبت به حتما ... ينبغي أن تراجع طبيبا "

    دفعت بالكرسي للوراء و أنا أنهض فجأة و استدير موليا سيف ظهري ...
    سيف وقف بدوره ، و تابع :

    " لا تفعل هذا بنفسك ... أتريد أن تجن ؟؟ "

    استدرت إلى سيف ، و قلت :

    " ما الفرق ؟ لم يعد ذلك مهم "

    " كلا يا وليد ... لا تعتقد أن الدنيا قد انتهت عند هذا الحد ... لا يزال أمامك المستقبل و الحياة "

    قاطعته بحدّة و زمجرت قائلا :

    " المستقبل ؟؟ نعم المستقبل ... لرجل عاطل عن العمل متخرج من السجن لا يحمل سوى شهادة الثانوية المؤرخة قبل ثمان سنين ! و يخبئ بعض النقود التي استعارها من أبيه في جيب بنطاله ليشتري بها الفاصولياء المعلبة فيسد بها جوعه ... نعم إنه المستقبل "

    سيف بدأ يتحدّث بانفعال قائلا :

    " تعرف أن فرص العمل في البلد ضئيلة بسبب الحرب ، لكنني سأتدبر الأمر بحيث أتيح الفرصة أمامك للعمل معي ... "

    قلت بسرعة :

    " معك ؟ أم عندك ؟؟ "

    استاء سيف من كلمتي هذه و همّ بالانصراف .

    استوقفته و قدمت إليه اعتذاري ...

    لقد كان اليأس يقتلني ... و لا شيء يثير اهتمامي في هذه الدنيا ...

    قال سيف :

    " المزيد من الصبر ... و سترى الخير إن شاء الله "

    ثم تقدّم نحوي و قال :

    " و الآن ... تعال معي ... فالأشخاص الذين سيتناولون العشاء معنا سيهمك التعرف إليهم "

    لكنني رفضت ، لم أشأ أن أظهر أمام رجال الأعمال و أحرج صديقي ، لكوني شخص تافه خرج من السجن قبل أسابيع ...

    " كما تشاء ... لكنك ستحضر غدا ! عشاء خاص بنا نحن فقط ! "

    أومأت إيجابا ، إكراما لهذا الصديق الوفي ...

    قال سيف :

    " يا لك من رجل ! لقد أنسيتني ما جئت لأجله ! "

    " ما هو ؟؟ "

    " تلقيت اتصالا من والدك اليوم ، يريد منك أن تهاتفه للضرورة "

    شعرت بقلق ، فلأجل ماذا يريدني والدي ؟؟

    " أتعرف ما الأمر ؟؟ "

    " لا فكرة لدي ، لكن عليك الاتصال بهم فورا "

    و أشار إلى الهاتف المعلق على الجدار ...

    قلت :

    " الخط مقطوع ! "

    " حقا ؟؟ "

    " كما كانت الكهرباء و المياه أيضا ! تصور أنني عشت الأيام الأولى بلا نور و لا ماء ! "

    ضحك سيف ثم قال :

    " معك أنت يمكنني تصور كل شيء ! هل تريد هاتفي المحمول ؟ "

    " لا لا ، سأتصل بهم من هاتف عام "

    سار سيف نحو الباب مغادرا ، التفت قبل الانصراف و قال :

    " موعدنا غدا مساءا ! "

    " كما تريد "

    و عدت إلى طبقي الفاصوليا التي بردت نوعا ما ، و أفرغتهما في معدتي ...

    لم يكن في المنزل أي طعام ، و كنت اشتري المعلبات و التهم منها القدر الذي يبقيني حيا ...

    تعمدت عدم الاتصال بأهلي طوال الأسابيع الماضية ، و عشت مع أطيافهم داخل المنزل

    حاولت البحث عن عمل و لكن الأمر كان أصعب من أن يتم في غضون بضع أسابيع أو أشهر ...

    في ذلك المساء ذهبت إلى أحد المحلات التجارية لشراء بعض الحاجيات ، قبل أن أجري المكالمة الهاتفية .

    حين حان دوري للمحاسبة ، أخذ المحاسب يدقق النظر في ّبشكل غريب !

    نظرت إليه باستغراب ، فقال :

    " ألست وليد شاكر ؟؟ "

    فوجئت ، فلم يبد ُ لي وجه المحاسب مألوفا ... قلت :

    " بلى ... هل تعرفني ؟؟ "

    قال :

    " و هل أنساك ! متى خرجت من السجن ؟؟ "

    عندما نطق بهذه الجملة أثار اهتمام مجموعة من الزبائن فأخذوا ينظرون باتجاهي ...

    شعرت بالحرج ، و تجاهلت السؤال ... فعاد المحاسب يقول :

    " ألم تعرفني ؟ لقد كنت ُ زميلا للفتى الذي قتلته ! عمّار "

    أخذ الجميع ينظر باتجاهي ، و شعرت بالعرق يسيل على صدغي ...

    جاء صوت من مكان ما يقول :

    " أتقول أن المجرم قد خرج من السجن ؟؟ "

    تلفت من حولي فرأيت الناس جميعا ينظرون إلي بعيون حمراء ، يقدح الشرر من بعضها ، و ينطلق الازدراء من بعضها الآخر ...

    شعرت بجسمي يصغر ... يصغر ... يصغر ... ثم يختفي ...

    خرجت من المكان بسرعة ... دون أن آخذ حاجياتي ، و ركبت سيارتي و انطلقت مسرعا تشيعني أنظار الجميع ...

    لقد أصبحت ذا سمعة سيئة تشير إلي أصابع الناس بلقب مجرم ...

    توقفت عند أحد الهواتف العامة ، و اتصلت بمنزل عائلتي في المدينة الأخرى ...

    كانت الساعة حينئذ الحادية عشر ... و رن الهاتف عدة مرات و لم يجب أحد ...

    و أنا واقف في مكاني أراقب بعض المارة ، تخيلتهم ينظرون إلي و يتحدثون سرا ...

    ربما كانوا يقولون : إنه وليد المجرم !

    و مرت مني سيارة شرطة تسير ببطء ...

    شعرت برعشة شديدة تسري في جسدي لدى رؤيتها ، كانت النافذة مفتوحة و أطل منها الشرطي و أخذ ينظر باتجاهي

    كدت أموت فزعا ... و تخيلته مقبلا نحوي ليقبض علي و يزج بي في السجن من جديد ...

    شعور مرعب مفزع ...

    ظلت يدي تضغط على أزرار عشوائية ، تتصل ربما بالمريخ أو المشتري ، دون أن أملك القدرة على التحكم بها ... حتى ابتعدت السيارة شيئا فشيئا و استعدت بعض الأمان ...

    أعدت الاتصال بمنزل عائلتي و بعد ثلاث رنات أو أربع ، أجاب الطرف الآخر ...

    " نعم ؟ "

    لم أميز الصوت في البداية ، لكنه عندما كرر الكلمة أدركت أنها كانت رغد ...

    " نعم ؟ من المتحدث ؟؟ "

    كان فكي الأسفل لا يزال يرتجف أثر رؤية سيارة الشرطة ... و ربما سمعت رغد صوت اصطكاك أسناني بعضها ببعض ...

    قربت السماعة من فمي أكثر ، و بيدي الأخرى أمسكت بفكي و طرف السماعة كمن يخشى تسرب صوته للخارج ...

    ربما سمع رجال الشرطة صوتي و عادوا إلي !

    قلت :

    " أنا وليد "

    لم أسمع أي صوت فظننت أن الطرف الآخر قد أقفل السماعة ، قلت :

    " رغد ألا زلت ِ معي ؟؟ "

    " نعم "

    ارتحت كثيرا لسماع صوتها

    أو ربما ... تعذبت كثيرا ...

    " وليد كيف حالك ؟ "

    " أنا بخير ، ماذا عنكم ؟ "

    " بخير . كنت أنتظرك ، أقصد كنا ننتظر اتصالك "

    قلت بقلق :

    " ما الأمر ؟؟ "

    رغد قالت :

    " لقد نام الجميع ، والدي يريد التحدث معك ، يجب أن تحضر "

    أقلقني حديثها أكثر ، سألت :

    " ما الخطب ؟؟ "

    " إنه موضوع زواج دانه ! لن أخبرك بالتفاصيل و إلا وبختني ! يجب أن تحضر قبل مساء الأربعاء المقبل "

    كان أمرا فاجأني ، و هو أكبر من أن أناقشه مع رغد و رغد بالذات على الهاتف في مثل هذا الوقت ... و المكان ...

    لذا اختصرت المكالمة بنية الاتصال نهار اليوم التالي لمعرفة التفاصيل ...

    " حسنا ، سأتصل غدا ... إلى اللقاء "

    " وليد ... "

    حينما سمعت اسمي على لسانها ارتجف فكي أكثر مما كان عند رؤية سيارة الشرطة ....

    خرجت الكلمة التالية مبعثرة الحروف ...

    " نـ ... ـعم ... صـ ... ـغيـ ... ـرتي ؟؟ "

    " عد بسرعة ! "

    و التي عادت بسرعة هي ذكريات الماضي ...
    و الذي طردها بسرعة هو أنا
    لم أكن أريد لشيء قد مات أن يعود للحياة ...

    قلت :

    " سأرى ، وداعا "
    و بسرعة أيضا أغلقت السماعة ...
    كم شعرت بقربها ... و بعدها ...

    حينما عدت إلى المنزل ، وقفت مطولا أمام غرفة رغد أحدق ببابها ... حتى هذه اللحظة لم أجرؤ على فتحها هي بالذات من بين جميع غرف المنزل الموحش ...

    دخلت إلى غرفتي الغارقة في الظلام ، و تمددت على سريري بهدوء ...

    ( عد بسرعة ... عد بسرعة ... عد بسرعة ... )

    ظلت تدور برأسي حتى حفرت فيه خندقا عميقا !

    سمعت طرقا على الباب ... طرقا خفيفا ... جلست بسرعة و ركزت نظري ناحية الباب ... كان الظلام شديدا ...

    شيئا فشيئا بدأ الباب ينفتح ... و تتسلل خيوط الضوء للداخل

    و عند الفتحة المتزايدة الحجم ، ظهرت رغد !

    رغد وقفت تنظر إلي و وجهها عابس ... و الدموع منحدرة على خديها الناعمين ...

    هتفت ...

    " رغد ! "

    بدأت تسير نحوي بخطى صغيرة حزينة ... مددت ذراعي و ناديتها :

    " رغد تعالي ... "

    لكنها توقفت ... و قالت :

    " وليد ... عد بسرعة "

    ثم استدارت عائدة من حيث أتت

    جن جنوني و أنا أراها تغادر

    قفزت عن سريري و ركضت باتجاهها و أنا أهتف :

    " رغد انتظري ...
    رغد لقد عدت ...
    رغد لا تذهبي "

    لكنني عندما وصلت إلى الباب كانت قد اختفت ...

    أسرعت إلى غرفتها أطرق بابها بعنف ...
    كدت أكسره ، أو أكسر عظامي ... لكنه ظل موصدا ...
    كما هي أبواب الدنيا كلها أمام وجهي ...


    أفقت من النوم مذعورا ، فوجدت الغرفة تسبح في الظلام و الباب مغلق ...
    لم يكن غير كابوس

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    الحلقة الخامسة عشر و السادسة عشر

    مُساهمة  littledoctor في الأربعاء 6 يوليو 2011 - 2:16


    الحلقةالخامسةعشر
    ****************


    أكاد أطير من الفرح ... لأن وليد سيأتي اليوم ...

    إنني منذ وقعت عيناي عليه يوم حضوره قبل شهر ، و أنا أحس بشيء غريب يتحرك بداخلي !

    أهي كريات الدم في عروقي ؟؟

    أم شحنات الكهرباء في أعصابي ؟؟

    أم تيارات الهواء في صدري ؟؟

    بين الفينة و الأخرى ، أخرج إلى فناء المنزل ... و أترقب حضوره

    متى سيصل ؟؟

    سامر أيضا سيعود هذه الليلة ، فمنذ سافر للمدينة الأخرى قبل أسابيع من أجل العمل لم نره ...

    استدرت للخلف ، فإذا بأمي واقفة عند المدخل الرئيسي ، تنظر إلي !

    " رغد ... ما ذا تفعلين ؟؟ "

    اضطربت قليلا ، ثم قلت :

    لا شيء ...

    والدتي ابتسمت ، و قالت :

    " لقد قال سامر إنه سيصل ليلا ! لا تُقلقي أعصابك ! "

    شعرت بغصة في حلقي و كدت أختنق !

    إنني لم أر سامر منذ أسابيع ... و أعلم أنه سيعود ليلا ... لكنني ... لكنني كنت أرتقب وليد !

    كان هذا يوم الأربعاء ... ، و في هذا المساء سيتم عقد قران دانة ...

    إنها مشغولة جدا هذا اليوم ، و كذلك هي أمي ... و الاضطراب يسود الأجواء ...

    " تعالي و ساعدينا ! "

    ألقيت نظرة على الباب الخارجي للمنزل ، و مضيت مذعنة لطلب أمي !

    كانت دانة تجفف شعرها بمجفف الشعر الكهربائي المزعج ، قلت :

    " فيم أساعدك ؟؟ "

    و يبدو أن صوته الطاغي منعها من سماعي ، فكررت بصوت عال :

    " دانة فيم أساعدك ؟؟ "

    انتبهت لي أخيرا ، و قالت :

    " تعالي رغد و جففي هذا المتعب ! "

    دانة كان لها شعر طويل و كثيف مع بعض التموج ، على العكس من شعري القصير الأملس الناعم !

    تناولت المجفف الساخن من يدها و بدأت العمل !

    صوت هذا الجهاز قوي و أخشى أن يعيق أذني عن سماع صوت جرس الباب !

    مرت الدقائق و أنا أحاول الإسراع من أجل العودة للفناء !

    " رغد ! جففي بأمانة ! "

    قالت ذلك دانة و هي تنظر إلي عبر المرآة ... فابتسمت !

    فستان دانة كان جميلا و أنيقا جدا ، و موضوعا على سريرها بعناية
    لدانة ذوق رائع جدا في اختيار الملابس و الحلي و أدوات التجميل !

    لدى عبور هذه الفكرة برأسي تذكرت طقم الحلي الذي رأيته ليلة الأمس و أثار إعجابي الشديد و أردت اقتنائه ، غير أن نقودي لم تكن كافية فأجلت الأمر لهذا اليوم

    " يجب أن أذهب مع أبى لشراء ذلك الطقم قبل أن يحل الظلام ! "

    " حقا ستشترينه ؟ إنه باهظ الثمن ! "

    " طبعا سأشتريه ! ماذا سأضع هذه الليلة إذن ؟؟ "

    " لم لا تضعين العقد الذي أهدتك إياه والدتي قبل أسابيع ؟؟ "

    لم تعجبني الفكرة ، فلقد رأته لمياء ـ شقيقة نوّار ، خطيب دانة ـ يوم حفلة تخرجي !

    إنها أمور نكترث لها نحن الفتيات !

    أو على الأقل ، معظمنا !

    قلت :

    " بل سأشتري شيئا جديدا ! يليق بقرانك ! "

    و ضحكنا !

    لمحت والدتي مقبلة من ناحية الباب فأوقفت تشغيل الجهاز و قلت بسرعة :

    " هل حضر ؟ "

    ثم أضفت بسرعة ، تغطية على الحقيقة :

    " أقصد والدي ؟ أريد أن يصحبني لسوق المجوهرات ! "

    قالت والدتي :

    " ماذا تودين من سوق المجوهرات ؟؟ "

    " سأشتري عقدا جديدا أرتديه الليلة ! "

    بدا على والدتي بعض الاستياء ... ثم قالت :

    " أليس لديك ما يناسب ؟ سأعيرك مما عندي إن شئت "

    عرفت من طريقة كلامها أنها لا تريد مني شراء المزيد .

    أعدت تشغيل الجهاز و واصلت تجفيف شعر دانة الطويل حتى انتهيت ... بصمت ...
    بعدها خرجت من الغرفة قاصدة الذهاب إلى غرفتي ، إذ أن بي شحنة استياء أريد إفراغها ...

    و أنا أمر من والدتي قالت :

    " رغد اذهبي للمطبخ و أتمي تحضير الكعك ، سأوافيك بعد قليل "

    أذعنت للأمر ... و قضيت قرابة الساعة في عمل المطبخ الممل ، حتى أتت والدتي وتقاسمنا العمل ...

    بعد فترة هممت بالانصراف ، فبالي مشغول بانتظار وليد ، و حين رأتني أمي سائرة نحو الباب :

    " إلى أين رغد ؟؟ "

    " سأذهب للاستحمام ! "

    " انتظري ! تعرفين ما من مساعد لي غيرك اليوم ... ! اغسلي الأطباق و الصواني و رتبي الأواني في أماكنها ، ثم تولي كي و طي الملابس ! العمل كثير هذا اليوم ! "

    شعرت بالضيق ! لم أكن أحب العمل في المطبخ و كنت أتولى أقل من ثلث العمل المقسم بيننا نحن الثلاثة ، أمي و دانة و أنا ، لكنني اليوم مضطرة للتضحية بنعومة يدي !

    أثناء ترتيبي للأواني سمعت صوتا مقبلا من جهة مدخل المنزل الرئيسي

    ربما يكون وليد !

    أسرعت بوضع الأواني على عجل فانزلق من يدي بعضها و تحطم على الأرضية الملساء الصلبة !

    " أوه رغد ! ماذا فعلت ! "

    والدتي نظرت إلي بانزعاج ، فزاد ضيقي ..

    " انزلقت من يدي ! "

    و تركت كل شيء و هممت بالانصراف

    " إلى أين ؟؟ "

    " سأرى من عند الباب أمي ! "

    و لم أكد أغادر ، إذ أن والدي قد وصل ، و دخل المطبخ يحمل الكثير من الأغراض

    عدت إلى الأواني المحطمة أرفعها عن الأرض و أنظف الأرضية من شظايا الزجاج

    ثم كان علي ترتيب الأغراض التي جلبها أبي في أماكنها المخصصة ... و الكثير الكثير قمت به فيما دانة في غرفتها ، تسرح شعرها و تتزين !

    حالما انتهيت من جزء من عمل المطبخ ، قلت لوالدي و الذي كان يجلس على المقعد عند الطاولة يكتب بعض الملاحظات على ورقة صغيرة :

    " أبي ... هلا اصطحبتني إلى أحد محلات الحلي ؟ لي حاجة سأشتريها و أعود "

    أمي نظرت إلي و قالت مباشرة :

    " عدنا لذلك ؟ خذي ما تشائين من حليي و لا داعي لإضاعة المال و الوقت ! لدينا الكثير لنفعله الآن ! "

    قلت :

    " و لكن ... إنه جميل جدا و أريد أن أرتديه الليلة ! "

    قالت :

    " هيا يا رغد ! عوضا عن ذلك رتبي الملابس أو غرفة الضيوف و الصالة ... النهار يودعنا "

    لم أناقش أمي ، بل نظرت إلى أبي و هو منهمك في تدوين كلمات على الورقة و قلت :

    " أبي ... لن أتأخر ! سأشتريه و نعود فورا ! "

    والدي قال دون أن يرفع عينيه عن الورقة :

    " فيما بعد رغد ، لدي مهام أخرى أقوم بها الآن "

    خرجت من المطبخ و أنا أشعر بالخيبة و الخذلان ... و ذهبت إلى الغرفة الخاصة بالملابس ، أكويها و أطويها و أرتبها ، و دمعة تتسلل من بين حدقتي من حين لآخر ...

    كنت أكوي فستاني الجديد الذي سأرتديه الليلة بشرود و أسى ...

    لماذا علي أن أعمل بهذا الشكل !؟

    لماذا لا يجلب والدي خادمة للمنزل ؟؟

    هنا سمعت صوت جرس الباب يقرع ...

    لابد أنه وليد !

    تركت كل شيء بإهمال و طرت نحو باب المخرج ، في نفس اللحظة التي أقبل فيها والدي نحو الباب ...

    قال :

    " اذهبي و ارتدي الحجاب ، قد يكون وليد ! "

    رجعت فورا إلى غرفة الملابس و سحبت حجابا لي من كومة الملابس
    ( المجعدة ) و لبسته كيفما اتفق ، و هرعت نحو المدخل ...

    فتحت باب المدخل لأطل على الفناء الخارجي ، و أرى أبي و وليد متعانقين عند البوابة الخارجية ...

    أقبلت أمي مسرعة و فتحت الباب و خرجت مهرولة إلى وليد ...

    وقفت أنا عند الباب الداخلي أنظر و دموعي تفيض من عيني رغما عنها ...

    لقد كان وليد واقفا بطوله و عرضه و جسده العظيم ، يحجب أشعة الغروب عن وداع ما غطاه ظله الكبير ، يضم والديه إلى صدره و ينهال برأسه البارز على رأسيهما بالقبل ...

    وقفت أراقب ... و أنتظر ...

    لقد طال العناق و الترحيب ... و لم يلتفت أو لم ينتبه إلي !
    و فيما أنا كذلك ، و إذا بالباب يفتح ، و تنطلق منه دانة مسرعة كالقذيفة الموجهة نحو وليد !

    تعانقا عناقا حميما جدا ، و دانة تقول بفرح :

    " كنت واثقة من أنك ستحضر ! كنت واثقة من ذلك "

    و وليد يضمها إلى صدره ثم يقبل جبينها و يقول :

    " طبعا سآتي ! كم شقيقة لدي ؟؟ ... ألف مبروك عزيزتي "

    كل هذه الحرارة المنبعثة من اللقاء الحميم أمام عيني جعلتني أنصهر !
    و بدا أن دموعي على وشك التبخر من فرط حرارة خدي ّ
    وليد !
    من أي طينة خلقت أنت ؟؟ و لماذا تنبعث منك حرارة حارقة بهذا الشكل !
    ألا تحس الأشجار أن الشمس قد ارتفعت بعد الغروب !؟
    و أخيرا ، تحرك الثلاثة مقبلين نحوي ... نحو المدخل ...

    أخيرا لامست نظراتي الجمرتين المتقدتين ، المتمركزتين أعلى ذلك الرأس ... مفصولتين بمعقوف حاد ، يزيدهما شرارا ... و حدة ... و اشتعالا !

    توهج وجهي احمرارا و تلعثم قلبي في نطق دقاته المتراكضة ... و شعرت بجريان الأشياء الغريبة في داخلي ...
    الدماء
    سيالات الأعصاب
    و الأنفاس !

    و هو يخطو مقتربا ، و حجمه يزداد ... و رأسه يعلو ... و عنقي يرتفع !

    سقطت أنظاري فجأة أرضا و كأن عضلات عيني قد شلت ! لم أستطع رفعهما للأعلى لحظتها ...

    و جاء صوته أخيرا يدق طبلتي أذني ...

    بل يكاد يمزقهما !

    " كيف حالك صغيرتي ؟؟ "

    و كلمة صغيرتي هذه تجعلني أحس أكثر و أكثر بصغر حجمي و ضآلتي أمام هذا العملاق الحارق !

    رفعت عيني أخيرا ببعض الجهد و أنا أضم شفتي مع بعضهما البعض استعدادا للنطق !

    " بخير ... "

    و لكن ... حين وصلت عيناي إلى جمرتيه ، كانتا قد ابتعدتا ...

    لم يكن وليد ينظر إلي ، و لا حتى ينتظر جوابي !

    لقد ألقى سؤاله بشكل عابر و أشاح بوجهه عني قبل أن يسمع حتى الإجابة ... و هاهي دانة تفتح الباب ... و هاهو يدخل من بعدها ... و يدخل والداي من بعده ... و ينغلق الباب من بعدهم !

    وقفت متحجرة في مكاني لا شيء بي يتحرك ... حتى عيناي بقيتا معلقتين في النقطة التي ظنتا أنهما ستقابلان عيني وليد عندها ...

    مرت برهة ... و أنا أحدق في الفراغ !

    هل كان وليد هنا ؟؟

    هل مر وليد من هنا ؟؟

    هل رأته عيناي حقا ؟؟؟

    لم أجد جوابا حقيقيا ...

    بدا كل شيء كالوهم و الخيال !


    أفقت من شرودي و استدرت ، و فتحت الباب فدخلت ... و وصلتني أصوات أفراد أسرتي من غرفة المعيشة ...
    حركت قدمي بإعياء شديد متجهة إلى حيث هم يجلسون ...
    كان وليد يجلس على مقعد كبير ، و هم إلى جانبيه ... لا أظن أن أحدا انتبه لوجودي ! وقفت عند مدخل الغرفة أراقبهم و جميعهم مسرورون و أنا تعيسة !

    بعد قليل ، أمي قالت فجأة :

    " أتشمون رائحة شيء يحترق ؟؟ "

    الشيء الذي قفز إلى رأسي هو المقعد الذي يجلسون عليه ! ربما احترق من حرارة وليد !

    و بالفعل شممت الرائحة !

    " إنها قادمة من هناك ! "

    و أشارت والدتي نحوي ... طبعا كانت تقصد من خارج الغرفة إلا أنني ألقيت نظرة سريعة على ملابسي لأتأكد من أنها لا تقصدني !

    و قفت أمي و كذلك وقف الجميع ، و أقبلت هي مسرعة قاصدة التوجه نحو المطبخ ...

    لم تجد ما يحترق هناك ... ثم سمعت صوتها تنادي بقوة:

    " رغد تعالي إلى هنا "

    ذهبت إليها ، كانت في غرفة الملابس ... تفصل سلك المكواة عن مقبس الكهرباء !

    صحت :

    " أوه ! يا إلهي ! "

    و أسرعت إلى الفستان الذي نسيت المكواة فوقه و خرجت مسرعة لاستقبال وليد !

    " انظري ما فعلت ! سترتدينه الليلة محروقا بهذا الشكل ! "

    أخذت الفستان و جعلت أدقق النظر في البقعة المحروقة ، و أعض شفتي أسفا و حسرة ...

    " ماذا سأفعل الآن ؟؟ "

    قلت بيأس ... فأجابت أمي بغضب :

    " ترتدينه محروقا ! فنحن لم نشتره لنرميه "

    عند هذا الحد ... و لم أتمالك نفسي ...

    و انخرطت في بكاء شديد رغما عني ...

    في نفس اللحظة التي كانت أمي تغادر فيها الغرفة كان البقية مقبلين يتساءلون عما حدث و ما احترق ...

    والدي قال :

    " ماذا حصل ؟؟ "

    أمي أجابت باستياء :

    " تركت فستانها يحترق ! و قبل قليل كسرت الأطباق ! لا أعرف متى ستكبر هذه الفتاة "

    كان الأمر سيغدو مختلفا لو أن وليد لم يكن موجودا يرى و يسمع ...
    كم شعرت بالحرج و الخجل ...
    إنني لست طفلة و مثل هذه الأمور لم تكن لتحدث لو أنني لم أكن مضطربة و مشتتة هذا اليوم ... كما و أن أمي لم تكن لتصرخ بوجهي هكذا لو لم تكن هي الأخرى مضطربة و قلقة ، بسبب الليلة ...

    رميت بالفستان جانبا و أسرعت الخطى قاصدة الهروب و الاختفاء عن الأنظار ...

    كان وليد يقف عند الباب و يسد معظمه ، و حين وصلت عنده لم يتحرك ...

    كنت أنظر إلى الأرض لا أجرؤ على رفع نظري إلى أي منهم ، إلا أن بقاء وليد واقفا مكانه دون أن يتزحزح جعلني أرفع بصري إليه ....

    الدموع كانت تغشي عيني عن الرؤية الواضحة ...

    وليد نظر إلي نظرة عميقة دون أن يتحرك ...

    " إذا سمحت ... "

    قلت ذلك ، فتنحى هو جانبا ، و انطلقت أسير بسرعة نحو غرفتي ...

    في غرفتي ، أطلقت العنان لدموعي لتفيض بالقدر الذي تريد
    كان يومي سيئا ! كم كنت سعيدة في البداية !
    و الآن ...
    حزينة ... محرجة ... مجروحة الخاطر ... مخذولة ...
    بدموع جارية ... و قلب معصور ... و فستان محروق ! و بلا حلي !

    أكثر ما أثر بي ... هو الاستقبال البليد الذي استقبلني به وليد ...
    و أنا من كنت أحترق شوقا لرؤيته !

    غمرت وسادتي البريئة من أي ذنب بالدموع الحارة المالحة ... و بقيت حبيسة الألم و الغرفة فترة طويلة ....

    بعد مدة سمعت طرق الباب ... قمت بتململ و فتحته ، فرأيت أمي ...

    تحاشيت النظر إليها ، فأنا خجلة منها و لست مستعدة لتلقي أي توبيخ هذه الساعة ...

    أمي قالت :

    " رغد ! على الأقل ابدئي الاستعداد ! ألم تستحمي بعد ؟؟ "

    وجدت نفسي أقول بغضب و انفعال :

    " لن استحم ، و لن أحضر معكم و سأنام حتى الغد "

    أمي صمتت قليلا ثم قالت بنبرة عطوفة :

    " يا عزيزتي لم أقصد توبيخك ، لكنك تتصرفين بشكل غريب اليوم ! هيا ابدئي الاستعداد ... "

    رفعت رأسي إليها و قلت :

    " بم ؟ لا فستان و لا حلي ! "

    تنهدت أمي و قالت :

    " ارتدي أي شيء ! ما أكثر ما لديك "

    لم اقتنع ، فأنا أريد أن أظهر جديدة في كل شيء الليلة ! أليست ليلة مميزة؟ إنه عقد قران أختي دانه !

    قلت :

    " لن أحضر دون فستان جديد و مجوهرات ! دعوني أبقى في غرفتي فهذا أفضل و متى ما انتهيتم سأساعدكم في تنظيف المنزل "

    و بكيت

    بكيت بشدة ، و ليس سبب بكائي هو الفستان أو الأواني المكسورة ! إنه قلبي الذي يعتصر ألما من تجاهل وليد لي بهذه الطريقة !

    لماذا فعل ذلك ؟؟

    ألم أعد مهمة لديه ؟؟

    ألم يعد بألا يسمح لدموعي بالانهمار ؟؟

    إنه الذي يفجرها من عيني بغزارة هذه اللحظة ...

    أعرف أن أمي تحبني و تدللني ، مثل أبي ... و هذا ما اعتدته منهما ... لذلك حين قالت :

    " حسنا ... اذهبي بسرعة مع أبيك لشراء شيء مناسب على عجل "

    لم أفاجأ ، بل مسحت دموعي مباشرة خصوصا و هي تنظر إلى الساعة بقلق ...

    أخرجت حقيبتي من أحد الأدراج ... و قلت :

    " لا أملك مبلغا كافيا "

    ذهبت أمي و عادت بعد قليل تحمل بعض الأوراق المالية ، و قالت :

    " سأخبر أبيك كي يشغل السيارة ، أسرعي رغد "

    و ذهبت ، و ارتديت عباءتي و خرجت بعدها ...

    و فيما أنا أجتاز الردهة ، إذا بها مقبلة نحوي تقول :

    " لا فائدة يا رغد لقد خرج والدك ! "

    كان والدي مشغولا طوال اليوم ، و ها قد غادر من جديد ...

    أطلقت تنهيدة يأس مريرة و رميت بالحقيبة جانبا و قلت :

    " قلت لك أنني لن احضر ... دعوني و شأني "

    و أوشكت على البكاء

    أمي قالت :

    " قد يعود بعد قليل ... "

    لكنني كنت قد فقدت الأمل !

    جلست على المقعد و أسندت خدي إلى يدي في أسى ...

    " أيمكنني فعل شيء ؟؟ "

    كان هذا صوتا رجاليا جعلني أسحب يدي فجأة من تحت خذي فينحني رأسي للأسفل ثم يرتفع للأعلى ...

    للأعلى ...

    للأعلى !

    العملاق وليد !

    أمي و وليد تبادلا النظرات ، ثم قالت أمي :

    " ننتظر أن يعود والدك ليصحبها إلى السوق ! "

    قال :

    " لدي سيارة ... إذا كان الأمر طارئا ... "

    الأشياء الغريبة الثلاثة بدأت تجري في داخلي و تتسابق !

    أمي قالت :

    " أنت ... قدمت لتوك ! اذهب و نم قليلا في غرفة سامر ... "

    " لست متعبا جدا "

    " ... ثم أنك لا تعرف المنطقة ! "

    قال و هو ينقل بصره بيني و بين أمي :

    " لكنكما تعرفان ! "

    أي نوع من الأفكار تعتقدون أنني رأيتها ؟؟

    مجنونة !

    قالت أمي بتردد :

    " إنني مشغولة في المطبخ "

    فاستدار وليد إلي و قال :

    " و أنت ِ ؟أتحفظين الطريق ؟؟ "

    ربما كان سؤاله عاديا

    أو ربما استهانة بي ! فهل أنا طفلة صغيرة لا أعر ف الطرق ؟؟

    قلت :

    " نعم ! طبعا "

    ثم نظرت إلى أمي أحاول قراءة رأيها من عينيها ...

    أمي بدت مترددة ... لكنها قالت بعد ذلك موجهة كلامها لي أنا:

    " ما رأيك رغد ؟؟ "

    أنا أقرر قبل أن أفكر في أحيان ليست بالقليلة ! قلت :

    " حسنا "

    و وقفت و سحبت حقيبتي ...

    التفتت أمي نحو وليد و قالت :

    " انتبه لها "

    وليد دخل إلى غرفة المعيشة و أحضر مفتاح سيارته ، و الذي كان قد تركه على المنضدة ...

    تقدمت نحو باب المنزل و وقفت في انتظاره ، حتى إذا ما أقبل فتحت الباب و خرجت قبله !

    خطواتي أنا قصيرة و بسيطة ، كيف لها أن تضاهي خطواته الواسعة الشاسعة !؟

    سبقني و خرج من البوابة الخارجية لفناء المنزل ... و سمعت صوت باب سيارة ينفتح ...

    ما إن خرجت من البوابة ، حتى وقعت عيناي على سيارة وليد ... نفس السيارة التي كان يقودها منذ سنين ...

    المرة الأخيرة التي ركبت فيها هذه السيارة كانت في أسوأ أيام حياتي ...

    شعرت بقشعريرة شديدة تجتاحني و ثبت في مكاني و لم أجرؤ على المضي خطوة للأمام ...

    وليد شغل السيارة و انتظرني ... و طال انتظاره !

    التفت نحو الباب فوجدني واقفة هناك بلا حراك

    ضغط على بوق السيارة لاستدعائي لكنني لم أتحرك

    الشيء الذي تحرك هو شريط الذكريات القديمة البالية ... الموحشة البائسة ... التي طردتها من خيالي عنوة ...

    وليد فتح الباب و خرج من السيارة و نظر باتجاهي و قال :

    " ألن تذهبي ؟؟ "

    تحركت قدماي دون إدراك مني و اقتربت من السيارة

    مددت يدي فإذا بها تلقائيا تتوجه إلى الباب الأمامي ، فأجبرتها على الانحراف نحو الباب الخلفي ، فتحته و جلست على المقعد الخلفي فيما وليد يجلس في المقدمة و إلى اليسار مني ... يكاد شعره الكثيف يلامس سقف السيارة !

    عندما كنا صغارا ، أنا و دانة ... كنا نتشاجر من أجل الجلوس على المقعد الذي أجلس خلفه مباشرة الآن !

    وليد انطلق بالسيارة نحو الشارع الرئيسي ثم سألني و هو يراقب الطريق :

    " أين نتجه ؟ "

    سار وليد ببطء نسبيا يسألني عن الطرق و المنعطفات ، و أرشده إليها حتى بلغنا المكان المطلوب .

    كان سوقا صغيرا مليئا بالناس ...

    أوقف وليد السيارة ، ففتحت الباب و خرجت و تقدمت للأمام

    وليد لم يخرج ، و سمعت صوته عبر نافذة الباب الأمامي المفتوحة يقول :

    " كم ستبقين ؟؟ "

    تعجبت ، فقلت و أنا أقرب وجهي من النافذة بعض الشيء :

    " ألن تأتي معي ؟؟ "

    وليد صمت قليلا ، و ربما ارتبك ، ثم قال :

    " و هل يجب أن آتي معك ؟؟ "

    قلت :

    " نعم ! "

    قال :

    " سأنتظرك هنا ... هذا أفضل "

    بقيت واقفة في مكاني لحظة ، فعاد يقول :

    " هل يجب أن أرافقك ؟؟ "

    قلت :

    " أو تعيدني للبيت "

    و تراجعت للوراء و مددت يدي قاصدة فتح الباب الخلفي ...

    وليد فتح بابه و نزل و دار حول السيارة نصف دورة حتى صار إلى جانبي

    قلت :

    " من هنا "

    و سرنا نحو بوابة المجمع الصغير ، هو مجمع اعتدنا أنا و دانة و أمي شراء حاجياتنا منه

    حينما بلغنا المتجر المقصود ، و هو متجر للملابس ، و كان يعج بالكثيرين، دخلته و توجهت نحو زاوية معينة ...

    التفت إلى الخلف فوجدت وليد واقفا في الخارج ينظر من خلال زجاج المتجر ...

    عدت أدراجي إليه بسرعة ... ثم قلت :

    " ألن تدخل معي ؟؟ "

    وليد بدا مترددا حائرا ... ربما هو غير معتاد على ارتياد الأسواق !

    لذا تحرك ببطء ...

    لأنني قمت بزيارة المتجر يوم أمس فأنا أعرف ما يوجد و ما يناسب ، لذا لم استغرق سوى دقائق حتى اشتريت فستانا مختلفا عن فستاني المحروق !

    إنه أجمل و أغلى !

    حينما هممت بالمحاسبة أخرج وليد محفظته ، و دفع الثمن !

    كم أنا خجلة منه ! آمل ألا يفعل ذلك في متجر المجوهرات !

    لم يكن وليد يتحدث ، بل كان يسير على مقربة مني بصمت و اضطراب ...

    أنا أيضا كنت خرساء جدا !

    أقبلنا نحو متجر المجوهرات ، و كان الآخر مزدحما بالناس ، و معظمهم سيدات

    دخلناه و أخذت عيناي تفتشان عن الطقم الجميل الذي أغرمت به يوم أمس ... لم يكن موجودا في مكانه فخشيت أن تكون سيدة ما قد سبقتني بشرائه !

    جلت ببصري في المتجر حتى وجدت ضالتي ، التفت للوراء فلم أجد وليد ...

    تلفت يمنة و يسرة و لم أجده ...

    أقبل صاحب المتجر يسألني :

    " ماذا أعجبك سيدتي ؟ "

    أسرعت مهرولة نحو الباب و نظرت من حولي فوجدت وليد واقفا يتأمل بعض التحف المعروضة في متجر مجاور ...

    " وليد "

    نادينه و أنا مقبلة إليه أحث الخطى ...

    التفت إلي :

    " هل انتهيت ؟ "

    " لا "

    تعجب ! و قال :

    " إذن ؟؟ "

    قلت :

    " لا تبتعد عني "

    بقى متعجبا برهة ثم أقبل معي و عدنا لذلك المتجر ...

    اشتريت الطقم الباهظ الثمن و حين سمع وليد بالسعر اضطرب قليلا

    فتح محفظته ليلقي بنظرة على ما بداخلها إلا أنني أسرعت بإخراج النقود من حقيبتي و دفعتها إليه

    قبل أن نغادر المتجر قال وليد :

    " أي شيء يصلح هدية صغيرة لدانة ؟ فأنا لا أعرف ماذا تحب ! "

    أما أنا فاعرف ماذا تحب !

    اعتقد أن الرجال لا يحتارون كثيرا في اختيار هدية لامرأة ! لأن المجوهرات موجودة دائما ... و تتجدد دائما ... و غالية دائمة ... و نعشقها دائما !

    اخترت شيئا جميلا و بسيطا ، و معتدل السعر ، فاشتراه وليد دون تردد

    خرجنا بعد ذلك من المتجر متجهين نحو البوابة ، و أثناء ذلك عبرنا على أحد محلات الأحذية الرجالية فقال وليد :


    " سألقي نظرة "


    و سار خطى سريعة نحو المدخل ...

    كان في المتجر عدد من الرجال و الأطفال ...

    و أنا أرى وليد يبتعد ... و يهم بدخول المتجر ... و المسافة بيننا تزداد خطوة بعد خطوة ... و الناس يتحركون من حولي ... ذهابا و إيابا ...
    و رجال يدخلون ... و رجال يخرجون ... و وليد يكاد يختفي بينهم ، ناديت بصوت عال :

    " وليد "

    و رغم الازدحام و الضوضاء الصادرة من حركة الناس و كلامهم ، سمعني وليد فالتفت إلي ...

    أنا أسرعت الخطى المضطربة باتجاهه ... و هو اقترب خطوتين ... و حين أصبحت أمامه قلت :

    " لا تتركني وحدي "

    وليد يعلوه الاستغراب ، قال مبررا :

    " سألقي نظرة سريعة فحسب ... لدقيقة لا أكثر "

    عدت أقول :

    " لا تتركني وحدي "

    عدل وليد عن فكرة إلقاء تلك النظرة ، و قال :

    " هل تريدين شيئا آخر ؟؟ "

    قلت :

    " كلا "

    قال :

    " إذن ... هيا بنا "

    عندما عدنا إلى المنزل ، و قبل أن يفتح لنا الباب بعد قرع الجرس ، التفت إليه و قلت :

    " شكرا ... وليد "

    لكن أذهلني الوجوم المرسوم على وجهه !

    كأنه مستاء أو أن مرافقتي قد أزعجته

    إنني لم أطلب منه ذلك بل هو من عرض المساعدة !

    دخلنا إلى الداخل ، فتوجه هو تلقائيا نحو المطبخ ، فسرت خلفه ...

    والدتنا كانت لا تزال منهمكة في العمل ، حين رأتنا بادرت بسؤالي :

    " هل وجدت ما أردت ؟؟ "

    و أخذت تنظر إلى الكيس الذي أحمله ...

    " نعم "

    و فتحت الكيس ، و أخرجت منه كيسا آخر صغير يحتوي على علبة المجوهرات ...

    ما أن رأتها أمي حتى هزت رأسها اعتراضا و استنكارا ... فهي لم تكن تشجعني على شراء المزيد ، فقلت بسرعة مبررة :

    " إنه طقم رائع جدا ! انظري ... "

    و قربته منها فتأملته و قالت :

    " نعم رائع و لكن ... "

    لم تتم الجملة ، بل قالت :

    " و لكنك اشتريته على أية حال ! "

    ابتسمت ابتسامة النصر !

    و التفت نحو وليد الذي كان يتابع حديثنا و قلت :

    " أليس رائعا ؟ ما رأيك ؟؟ "

    وليد بدا مضطربا بعض الشيء ، ثم قال :

    " لا أفهم في هذه الأمور ، لكن ... نعم رائع "

    و توجه نحو أحد المقاعد و جلس باسترخاء ...

    أمي قالت :

    " بني ... اذهب و استرخ في غرفة سامر لبعض الوقت ! إنك مجهد "

    الآن وليد ينظر باتجاه والدتي ، و لا أقع أنا في مجال الرؤية لديه ... باستطاعتي أن ادقق النظر في أنفه المعقوف دون أن يلاحظ !

    ما حكاية هذا الأنف يا ترى !؟

    أخذت أتخيل شكل وليد قبل أن يسافر ... كم يبدو مختلفا الآن !

    " رغد ألن تستعدي ؟؟ "

    انتبهت على صوت والدتي تكلمني ، أجبت باضطراب و كلي خشية من أن تكون شاهدتني و أنا أتأمل ذلك الأنف !

    " حاضر ، نعم سأذهب "

    و انطلقت نحو غرفتي ...

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    بعد أن غادرت رغد ، هممت بالذهاب إلى غرفة أخي سامر و تأدية الصلاة ثم الاسترخاء لبعض الوقت ...

    إنني متعب بعد مشوار الحضور الطويل

    نظرت إلى فتحة الباب لأتأكد من أن رغد قد ابتعدت ، ثم قلت :

    " أمي ... لم كانت رغد تبكي ؟؟ "

    أمي كانت تزين قالب الكعك بطبقة من الشيكولا ، و كانت الكعكة شهية المنظر !

    قالت أمي :

    " لأنها أحرقت فستانها كما رأيت ! تصور ! لقد اشترته يوم الأمس بمبلغ محترم ... ! "

    صمت برهة ثم قلت :

    " و الآخر أيضا غال الثمن ، و حتى هذا الطقم "

    ابتسمت والدتي و قالت :

    " إنها تبذر النقود ، هذا أحد عيوبها ! "

    أوه هكذا ؟ جيد ... !
    لقد عرفت شيئا جديدا عن طفلتي ... أصبحت مبذرة للمال أيضا ؟؟ و ماذا بعد ...؟؟
    قلت بتردد :
    " هل ... هل ... تحسنون معاملتها ؟؟ "

    رفعت أمي بصرها عن الكعكة و نظرت نحوي باستغراب ... ثم قالت :

    " طبعا ! بالتأكيد ! بل إننا ... ندللها كثيرا ! "

    تنهدت بارتياح نسبي ، و عدت أقول :

    " إذن ... لماذا كانت تبكي ؟؟ "

    أمي تعجبت أكثر ، و قالت :

    " قلت لك ... بسبب الفستان ! "

    قلت :

    " لا أمي ... أعني قبل ذلك "

    " قبل ذلك ؟؟ "

    " عندما خرجت لاستقبالي فور وصولي ... "
    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    في غرفة أخي سامر ، و الذي سيصل بعد قليل قادما من المدينة الأخرى حيث يعمل ، اضطجعت على السرير و سبحت في محيط لا نهائي من الأفكار ...

    الشيء الذي أثار قلقي هو الطريقة التي وبخت فيها والدتي رغد بعد وصولي بقليل ...

    فهل حقا يحسن الجميع معاملتها و يدللها ؟؟

    لم أتحمل رؤيتها تبكي ...

    عندما كنا في منزلنا القديم ، لم أكن لأسمح لأحد بأن يحزنها بأي شكل من الأشكال ، مهما فعلت

    كانت دانه دائما تتشاجر معها أو تضربها ، و كنت دائما أقف في صف صغيرتي ضد أي كان ...
    ترى ... هل تذكر هي ذلك ؟؟ أم أنني أصبحت من الماضي المنسي ... و الأحلام الوهمية ... و الذكريات المهجورة ؟؟

    حاولت النوم و لم استطع ، لذا عدت إلى غرفة المعيشة فوجدت والديّ و رغد هناك ...

    تبادلنا بعض الأحاديث عن عريس دانة ، و هو لاعب كرة ذاع صيته و اشتهر في الآونة الأخيرة ...

    قلت :

    " و لكن ألا تفكر في متابعة دراستها ؟ إنها لا تزال صغيرة على الزواج ! "

    قال أبي :

    " لا تريد الدراسة ، و هو عريس جيد ! كما و أنها في سن مناسب ! فليوفقهما الله ! "

    لحظات و إذا بسامر يحضر ، و يحظى بترحيب لا يقل حرارة عن ترحيبهم بي ...

    بدأ سامر بأكبرنا ، ثم حين جاء دوري ، صافحني بحرارة و شوق كبيرين جدا ... و أطال عناقي الأخوي ...

    أشعرني هذا بقربه مني ، بعدما فرقت السنين بيننا ... و بأنني لازلت أملك عائلة تحبني و ترغب في وجودي في أحضانها ...

    شيء رفع من معنوياتي المتدهورة

    لكن ...

    سرعان ما انحطت هذه المعنويات و اندفنت في لب الأرض تحت آلاف الطبقات من الحجر و الحديد و الفولاذ ، حين أقبل إلى رغد يصافحها و يضمها إلى صدره و يقبل جبينها بكل بساطة ...

    لو كنت بركانا ... أو قنبلة ... أو قذيفة نارية ، لكنت انفجرت لحظتها و دمرت كوكب الأرض بأسره و نسفته نسفا و حولته إلى مسحوق غبار

    لكنني كنت وليد

    أو بالأصح ...

    شبح وليد ...

    ما الذي دعاني لتمالك نفسي ؟؟ لا أعرف ...

    لقد كان باستطاعتي أن أحطم رأس أي مخلوق يقف أمامي شر تحطيم

    و لو ضربت الجدار بقبضتي هذه لسببت زلزالا مدمرا و لهوى السقف و قضى علينا جميعا ...

    لكنني اكتفيت بان أحفر أسناني من شدة الضغط ، و أمزق أوتار يدي من قوة القبض ...

    ليت أمي لم تلدك يا سامر

    ليتك تتحول إلى أي رجل آخر في العالم ، لكنت استأصلت روحك من جسدك و مزقتك خلية خلية ...

    " أين العروس ؟؟ "

    سأل أخى و هو لا يزال ممسكا بيد رغد ...

    " في غرفتها ! تتزين ! "

    قالت رغد ، فقال :

    " سأذهب لرؤيتها "

    و شد رغد يحثها على السير معه ... و ذهب الاثنان و غابا عن ناظري ...

    ليتني لم أعد

    أي جنون هذا الذي جعلني أعود فاحترق ؟؟ إنني أكاد انفجر

    هل يحس أحد بي ؟؟

    سمعت أمي تقول :

    " ما بك وليد ؟ أ أنت متعب بني ؟؟ "

    متعب ؟؟

    فقط متعب ؟؟

    ابتعدوا عني و إلا فأنني سأحرقكم جميعا !

    رميت بجسدي المشتعل على المقعد و أخذت أتنفس بعمق أنفاس متلاحقة عل الهواء يبرد شيئا مما في داخلي

    مرت لحظة صامته إلا عن تيار الهواء المتلاعب في صدري

    أمي و أبي لا يزالان واقفين كما هما ... و أنا أشعر بحر شديد و أكاد أختنق ....

    رفعت رأسي فإذا بهما يراقبانني ... أظن أن وجهي كان شديد الاحمرار و يتصبب عرقا ...

    القلق كان باد على وجهيهما

    قلت :

    " الجو حار ... "

    أمي سارت نحو المكيف و زادت من قوة دفعه للهواء ...

    التفت إلى أبي و قلت :

    " و هذان ؟؟ متى ارتبطا ؟؟ "

    لم يجب أبي مباشرة ، ثم قال :

    " عقدنا قرانهما قبل ما يزيد عن السنوات الثلاث "

    مزيد من الاختناق و الضيق ... كأن الهواء قد سحب من الغرفة تماما ...

    قلت :

    " ألا ترى يا والدي أنهما لا يزالان صغيرين ؟ على الأقل رغد ... صغيرة جدا "

    أبي قال :

    " إننا لن نزوجهما قريبا على أية حال ، فرغد تود الالتحاق بالجامعة أولا و لا أدري إن كان سامر سيفلح في إقناعها بغير ذلك "

    أثارت الجملة اهتمامي ، قلت :

    " غير ذلك ؟؟ "

    قالت أمي :

    " قد نزوج الثلاثة في ليلة واحدة قريبا ! "

    و ابتسمت ، ثم قالت :

    " و يأتي دورك ! "

    وقفت مستاء ، و يممت وجهي شطر المطبخ فأنا أحس بعطش شديد و بحاجة لنهر كامل ليرويني و يخمد نيراني ... و تركت والدي ّ في حيرة من أمرهما ...
    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    تم عقد القران و انتهت الليلة بسلام أخيرا !

    لقد بذلت جهودا مضاعفة في تنظيف المنزل بعد مغادرة الضيوف !

    أما دانه فكان القلم مرفوعا عنها هذا اليوم !

    طلبت من أمي أن تذهب للراحة و توليت أنا ، مع سامر تنظيف الأطباق ...

    أما الرجل الناري فلا علم لي بأي أرض يحترق هذه الساعة !

    كنت واقفة أمام صنبور الماء البارد أغسل الأطباق ، و سامر إلى جانبي ...

    سألته :

    " كيف بدا العريس ؟؟ "

    أجاب :

    " مهذبا و خلوقا و بشوشا ! "

    قلت :

    " لا يعجبني ! "

    ابتسم سامر و قال :

    " و لكن لم ؟؟ "

    أجبت :

    " لا أعرف ! لكنني أجده ثقيل الظل ! إنه مغرور و يتحدث عن نفسه بزهو و خيلاء أمام الكاميرات ! كيف تتحمل دانه زوجا كهذا ؟؟ "

    سامر ضحك ، فضحكت معه ...

    قال :

    " ليس المهم رأيك أنت به ! المهم رأي العروس به ! "

    ثم غير نبرة صوته حتى غدت أكثر لطفا و رقة ، و قال :

    " و رأيك بي أنا ... "

    ارتبكت .. و اضطربت تعبيرات وجهي ، و أخفيت نظراتي في حوض الغسيل !

    وصلنا هذه اللحظة صوت حركة عند الباب ، فالتفتنا للخلف فإذا به وليد ...

    و صدقوني ، شعرت بماء الصنبور يحرقني !

    تبادلنا النظرات ...

    قال وليد :

    " هل لي بلحاف ؟ سأنام في غرفة الضيوف "

    نظف سامر يده و استدار نحو وليد قائلا :

    " أوه كلا يا أخي ، بل ستنام في غرفتي و على سريري ، سأنام أنا على الأرض أو في غرفة الضيوف أو أي مكان ! "

    لم يظهر على وليد أنه يرحب بالفكرة أو حتى سماعها !

    قال :

    " أريد لحافا لو سمحت "

    كان وجهه جامدا صارما ، و رغم أن سامر كان يبتسم ، ألا أن وليد كان عابسا ...

    قال سامر :

    " أرجوك استخدم غرفتي ! أنا سأسافر بعد الغد على أية حال "

    قال وليد :

    " و أنا كذلك . هلا أحضرت لحافا الآن ؟؟ "

    وليد شخص غريب ... نعم غريب !

    نحن لا نعرفه ! و لا نعرف كيف هي طباعه و لا كيف كانت حياته في الخارج ... ربما كان صارما جدا ... قلما رأيته يبتسم مذ عودته !

    انتهى الأمر بأن نام وليد في غرفة الضيوف ، على المقعد الكبير ، الذي نمت عليه ذلك اليوم ! أتذكرون ؟؟

    توقعت أن أجد صعوبة في النوم ... طالما تفكيري مستعمر من قبل وليد ... ألا أنني نمت بسرعة مدهشة !

    في اليوم التالي ، اجتمعت العائلة في غرفة الطعام لتناول الفطور الصباحي ، في ساعة متأخرة من الصباح !

    أعددنا الأطباق في غرفة المائدة ، و جاء الجميع ليتخذوا مقاعدهم ...

    كالعادة جلس والداي على طرفي المائدة ، و دانة إلى يمين أبي ، و سامر إلى يساره ، و هممت بالجلوس على مقعدي المعتاد يمين أمي ، لكنني انتظرت وليد ...

    وليد حرك ذات المقعد و قال :

    " مقعدك ... "

    و تركه و ذهب للجهة المقابلة و جلس إلى يسار أمي ...

    جلست أنا على مقعدي المعتاد ، و صار وليد مواجها لي ... وضع يسمح للأشعة المنبعثة من ناحيتة لاختراقي مباشرة !

    فجأة ، وقف وليد ... و خاطب دانة قائلا :

    " هلا تبادلنا ؟؟ "

    و تبادلا المعقدين ...

    ربما رأى الجميع هذا التصرف عاديا ... و فسروه بأن وليد يرغب بالجلوس قرب والده .... أو أي تفسير آخر ... ألا أنني فسرته بأن وليد لا يرغب في الجلوس مقابلا لي ...

    صار هذا الوضع هو الوضع الذي نجلس عليه خلال الأيام التي قضاها وليد معنا ...

    وليد كان يلتزم الصمت ، و أنا أريد أن أسمع منه أخباره ، و لا أجرؤ على طرح الأسئلة عليه ...

    بين لحظة و أخرى ، ألقي نظره باتجاهه ، لكن أعيننا لم تلتق مطلقا ...

    بعد الفطور ، ذهب الجميع إلى غرفة المعيشة ، والدي يطالع الصحف و سامر يقلب قنوات التلفاز ، و دانه شاردة الذهن ... فيما وليد و أمي يتبادلان الحديث ، يشاركهما البقية بتعليق أو آخر من حين لآخر

    تركت الجميع كما هم ، و ذهبت إلى غرفة الضيوف لرفع اللحاف و ترتيب ما قد يكون مضطربا ...

    دخلت الغرفة ، فوجدت اللحاف مطويا و موضوعا على المقعد الكبير ، و على المنضدة المجاورة وجدت سلسة مفاتيح وليد ، و محفظته ...

    مشيت بخفة حتى صرت أمام المنضدة و جعلت أحدق في المحفظة بفضول !

    و انتقل فضولي من عيني إلى يدي ، فمددتها و نظرت من حولي لأتأكد من أن أحدا لا يراقبني !

    انفتحت المحفظة المثنية ، فظهرت بطاقة وليد الشخصية و فيها صورة حديثة له !
    بأنفه المعقوف !
    و الآن ... ما هي الفكرة المجنونة التي قفزت إلى رأسي ؟
    سأرسمه !
    لم أدع أي فرصة لعقلي ليفكر ، و أخذت المحفظة و طرت مسرعة إلى غرفتي

    و بدأت أرسم رسمة سريعة خفيفة لمعالم وجهه و أنظر للساعة في وجس و خوف ...

    ما أن انتهيت ، حتى أسرعت الخطى عائدة بالمحفظة إلى غرفة الضيوف ... و توقفت فجأة و اصفر وجهي و ارتجفت أطرافي ... حين رأيت وليد في الغرفة مقبلا نحو الباب ، يحمل في يده سلسلة المفاتيح ...

    أول شيء وقعت عينا وليد عليه هو محفظته التي تتربع بين أصابع يدي !

    رفع وليد بصره عن المحفظة و نظر إلي ، فأسرعت بدفن أنظاري تحت قدمي قال باستنكار :

    " أظن أنها ... تشبه محفظتي المفقودة تماما ! "

    ازدردت ريقي و تلعثمت الكلمات على لساني من شدة الحرج و الخجل ...

    قال وليد :

    " خائنة ... مبذرة ... و ماذا بعد ؟ هل تسرقين أيضا ؟؟ "


    رفعت نظري إليه و فغرت فاهي بذهول ... من هول ما سمعت !
    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~


    الحلقةالسادسةعشر
    ****************


    لقد قضيت خمسة أيام في بيت عائلتي ، كان يمكن أن تكون من أجمل أيام حياتي ... لكنها كانت من أسوأها

    كنت أود الرحيل عنهم في أقرب فرصة ، لكنني اضطررت كارها للبقاء بإلحاح من أبي و أمي

    سامر غادر يوم الجمعة ، و قد ودعته وداعا باردا ... و غادرت أنا صباح الثلاثاء التالي باكرا .

    خلال تلك الأيام الخمسة ...
    كنت أتحاشى الالتقاء برغد قدر الإمكان و لا أنظر أو أتحدث إليها إلا للضرورة
    و هي الأخرى ، كانت تلازم غرفتها معظم الوقت و تتحاشى الحديث معي ، خصوصا بعد أن قلت لها :

    " هل تسرقين ؟ "

    اعترف بأنني كنت فظا جدا ألا أنني لم أجد طريقة أفضل لأعبر بها عن غضبي الشديد و مرارتي لفقدها

    في آخر الأيام ، طلبت مني والدتي اصطحاب رغد إلى المكتبة لتشتري بعض حاجياتها .

    لم أكن لأفعل ذلك ، غير أنني شعرت بالحرج ... إذ أن والدي كان قد عاد قبل قليل من العمل و يسترخي ... فيما أنا أنعم بالراحة و الكسل ، دون مقابل ...
    و ربما كان ذلك ، نوعا من الإعتذار ...
    في ذلك اليوم كان نوار في زيارة مطولة لشقيقتي ، و مدعو للعشاء معها !

    ذهبنا أنا و رغد إلى تلك المكتبة العظمى المترامية الأطراف ...
    رغد توجهت إلى الزاوية الخاصة ببيع أدوات الرسم و التلوين و خلافها ... و بدأت تتفرج و تختار ما تريد ...

    و على فكرة ، علمت أنها رسامة ماهرة ...
    لكم كانت تعشق التلوين منذ الصغر !

    أخذت أتفرج معها على حاجيات الرسم و التلوين ... ثم انعطفت في طريقي ، مواصلا التفرج ... و لم يعد باستطاعتي رؤية رغد أو باستطاعتها رؤيتي

    شغلت بمشاهدة بعض الرسوم المعلقة أعلى الحائط و ما هي إلا ثوان حتى رأيت رغد تقف بجواري !

    قلت :

    " رسوم جميلة ! "

    " نعم . سأشتري الألوان من هناك "

    و أشارت إلى الناحية الأخرى التي قدمنا منها ... فعدت معها ...
    انهمكت هي باختيار الألوان و غيرها ، فسرت أتجول و أتفرج على ما حولي حتى بلغت زاوية أخرى فانعطفت ...

    مضت ثوان معدودة ، و إذا بي أسمع صوت رغد يناديني مجددا ...
    استدرت للخلف فرأيتها تقف قربي !
    و بيني و بينها مسافة بضع خطوات
    تخيلت أنها تريد قول شيء ، فسألتها :

    " هل انتهيت ؟؟ "

    قالت :

    " لا "

    تعجبت !

    قلت :

    " إذن ؟؟ "

    قالت :

    " لا تبتعد عني "

    يا لهذه الفتاة !

    قلت :

    " حسنا ! "

    و مضيت ُ معها إلى حيث كانت أغراضها موضوعة على أحد الأرفف
    رأيتها تأخذ أغراضا أخرى كثيرة ، فتلفت من حولي بحثا عن سلة تسوق ، و لم أجد . ذهبت لأبحث عن سلة فإذا بي أسمعها تناديني :

    " وليد "

    قلت :

    " سأحضر سلة لحمل الأغراض "

    فإذا بها تترك ما بيدها و تأتي معي !

    عدنا مجددا للأغراض ، و تابعت هي اختيار ما تشاء، و تجولت أنا حتى بلغت ناحية الكتب ...
    الكثير من الكتب أمام عيني !
    يا له من بحر كبير ! كم أنا مشتاق للغطس في أعماقه !
    لم أكن قد قرأت ُ كتابا منذ مدة طويلة ... أخذت أتفرج عليها و أتصفح بعضها ... و انتقل من رف إلى آخر ، و من مجموعة إلى أخرى ... حتى غرقت في البحر حقا !

    كانت أرفف الكتب مصفوفة على شكل عدة حواجز تقسم المنطقة ...
    و الكثير من الناس ينتشرون في المكان و يتفرجون هنا أو هناك ...

    دقائق ، و إذا بي أسمع صوت رغد من مكان ما !
    كان صوتها يبدو مرتبكا أو قلقا ... لم أكن في موقع يسمح لي برؤيتها ... فسرت بين الحواجز بحثا عنها و أنا أقول :

    " أنا هنا "

    و لم أسمع لها صوتا !
    أخذت ُ ألقي نظرة بين الحواجز بحثا عنها
    ثم وجدتها بين حاجزين ...

    " أنا هنا ! "

    حينما رأتني رغد أقبلت نحوي مسرعة تاركة السلة التي كانت تحملها تقع على الأرض و حين صارت أمامي مباشرة فوجئت بها تمسك بذراعي و ترتجف !

    كانت فزعة !!

    وقفت أمامي ترتعش كعصفور مذعور !

    نظرت إليها بذهول ... قلت :

    " ما بك ؟؟ "

    قالت و هي بالكاد تلتقط بعض أنفاسها :

    " أين ذهبت ؟ "

    أجبت :

    " أنا هنا أتفرج على الكتب ! ... ما بك ؟؟ "

    رغد ضغطت على ذراعي بقوة ... و قالت بفزع :

    " لا تتركني وحدي "

    نظرت ُ إليها بشيء من الخوف ، و القلق ... و الحيرة ...

    فقالت :

    " لا تدعني وحدي ... أنا أخاف "

    لكم أن تتصوروا الذهول الذي علاني لدى سماعي لها تقول ذلك ... و رؤيتها ترتجف أمام عيني بذعر ...

    لقد ذكرني هذا الموقف ، باليوم المشؤوم ...

    قلت :
    " أ أنت ِ ... بخير ؟؟ "

    فعادت تقول :
    " لا تتركني وحدي ... أرجوك ... "

    لم يبدُ لي هذا تصرفا طبيعيا ... توترتُ خوفا و قلقا ... و تأملتها بحيرة ...

    سرنا باتجاه السلة ، فأردت سحب ذراعي من بين يديها لحمل السلة و إعادة المحتويات إلى داخلها ... لكنها لم تطلقها بسهولة ...
    و عوضا عن ذلك تشبثت بي أكثر ثم بدأت بالبكاء ...

    لم يكن موقفا عاديا ، لذا فإن أول شيء سألت أمي عنه بعد عودتنا للبيت :

    " ما الذي جعل رغد تفزع عندما تركتها في المكتبة و ابتعدت قليلا ؟؟ "

    أمي نظرت إلي باهتمام ... ثم قالت :

    " ماذا حدث ؟؟ "

    " لا شيء ... ذهبت ألقي نظرة على الكتب و بعد دقائق وجدتها ترتجف ذعرا ! "

    عبس وجه والدتي ، و قالت :

    " و لماذا تتركها يا وليد ؟ قلت لك ... انتبه لها "

    أثار كلام أمي جنوني ، فقلت :

    " أمي ... ماذا هناك ؟؟ ما الأمر ؟؟ "

    قالت أمي بمرارة :

    " لديها رهبة مرضية من الغرباء ... تموت ذعرا إذا لم تجد أحدنا إلى جانبها ... إنها مريضة بذلك منذ سنين ... منذ رحيلك يا وليد ! "

    لقد صدمت بالنبأ صدمة هزت كياني و وجداني ...

    أخبرتني أمي بتفاصيل حدثت للصغيرة بعد غيابي ... و الحالة المرضية التي لازمتها فترة طويلة و الذعر الذي ينتابها كلما وجدت نفسها بين غرباء ...
    لم يكن صعبا علي أن أربط بين الحادث المشؤوم و حالتها هذه
    و كم تمنيت ...
    كم تمنيت ...
    لو أن عمّار يعود للحياة ... فأقتله ... ثم أقتله و أقتله ألف مرة ...
    إنه يستحق أكثر من مجرد أن يقتل ....

    قالت أمي :

    " و عندما توالت الهجمات على المنطقة ، اشتد عليها الذعر و المرض ... و وجدنا أنفسنا مضطرين للرحيل مع من رحل عن المدينة ... لم يكن الرحيل سهلا ، لكن العودة كانت أصعب ... قضيت معها فترات متفرقة في المستشفى ... لم تكن تفارقني لحظة واحدة ! بمشقة قصوى ذهب والدك و شقيقك لزيارتك في العاصمة ، تاركين الطفلة المريضة و أختها في رعايتي في المستشفى ، إلا أنهما منعا من الزيارة و أبلغا أن الزيارة محظورة تماما على جميع المساجين ! "

    أمي تتحدث و أنا رأسي يدور ... و يدور و يدور ... حتى لف المجرة بأكملها
    تساؤلات كان تملأ رأسي منذ سنين ، و جدت إجابة صاعقة عليها دفعة واحدة ...
    أسندت رأسي إلى يدي ...

    رأتني أمي أفعل ذلك فقالت :
    " بني ... أأنت بخير ؟؟ "

    رفعت يدي عن رأسي و قلت :
    " و لماذا ... لماذا زوجتموها لسامر و هي بذلك السن المبكر جدا ؟؟ "

    قالت :
    " لمن كنت تظننا سنسلم ابنتنا ؟؟ إنها تموت ذعرا لو ابتعدت عنا ... هل تتصور أنها تستطيع الخروج من هذا المنزل ؟؟ لا تخرج في مكان عام إلا بوجود أبيك أو سامر ... كانت ستتزوجه إن عاجلا أم آجلا ... فرفعنا الحرج عنهما لبقائهما في بيت واحد "

    قلت :
    " لكن يا أمي ... إنها ... إنها .... "

    و لم تخرج الكلمة المعنية ...
    أتممت :
    " إنها صغيرة جدا ... ما كان يجب أن تقرروا شيئا كهذا ... "

    و تابعت :
    " كان يجب ... كان يجب ... إن ... "
    و لم أتم ...
    ماذا عساي أن أقول ... ؟؟ لقد فات الأوان و انتهى كل شيء ...
    لكن الأمور بدت أكثر وضوحا أمامي ...
    هممت بالذهاب إلى غرفة سامر التي أستغلها ، من أجل تنفس الصعداء وحيدا ...

    توقفت قبل مغادرتي لغرفة المعيشة حيث كنا أنا و أمي ...
    التفت إليها و قلت :

    " أ لهذا لم تخبروها بأنني دخلت السجن ؟؟؟ هل أخبرتموها أنني ... لن أعود ؟؟ "

    والدتي قالت :
    "أخبرناها بأنك قد تعود ... و لكن ... بعد عشرين عاما ... و قد لا تعود ... "

    كانت أمي تبكي ...
    بينما قلبي أنا ينزف ...

    قلت :
    " و لكنني عدت ... "

    والدتي مسحت دموعها وابتسمت ، ثم تلاشت الابتسامة عن وجهها ... و نظرت إلي باهتمام و قلق ...

    قلت :
    " و يجب أن أرحل "

    و تابعت طريقي إلى غرفة سامر ...

    فضول لم استطع مقاومته ، و قلق شديد بشأنها دفعني للاقتراب من غرفة رغد المغلقة ... و من ثم الطرق الخفيف ...

    " أنا وليد "

    بعد قليل ... فتح الباب ...
    كنت أقف عن بعد ... أطلت رغد من الداخل و نظرت إلي
    رأيت جفونها الأربعة متورمة و محمرة أثر الدموع

    قلت :
    " صغيرتي ... أنا آسف ... "

    ما إن قلت ذلك ... حتى رفعت رغد يديها و غطت وجهها و أجهشت بكاءا
    زلزلني هذا المشهد ... كنت أسمع صوت بكائها يذبذب خلايا قلبي قبل طبلتي أذني ّ

    قلت بعطف :
    " رغد ... "

    رغد استدارت للخلف و أسرعت نحو سريرها تبكي بألم ...
    بقيت واقفا عند الباب لا أقوى على شيء ... لا على التقدم خطوة ، و لا على الانسحاب ...

    " رغد يا صغيرتي ... "

    لم تتحرك رغد بل بقيت مخفية وجهها في وسادتها تبكي بمرارة ... و يبكي قلبي معها ...

    " رغد ... أرجوك كفى ... "

    ثم قلت :
    " توقفي أرجوك ... لا احتمل رؤية دموعك ! "

    و لم تتحرك رغد ...
    تقدمت خطوة واحدة مترددة نحو الداخل ... و نظرت إلى ما حولي بقلق و تردد ...

    المرآة كانت على يميني ، و حين تقدمت خطوة رأيت صورتي عليها ... و حين التفت يسارا ... رأيت صورتي أيضا !

    فوجئت و تعلقت عيناي عند تلك الصورة !
    لقد كانت رسمة لي أنا على لوحة ورقية ، لم تكتمل ألوانها بعد !

    نقلت بصري بين رغد الجالسة على السرير تغمر وجهها في الوسادة ، و صورتي على الورقة !
    كيف استطاعت رسمي بهذه الدقة !؟ و بمظهري الحالي ... فأنفي محفور كما هو الآن !
    كيف حصلت على صورة لي لترسمها ، أم أنها رسمتها من خلال المرات القليلة العابرة التي نظرت فيها إلي ... !؟

    " يشبهني كثيرا ! أنت بارعة ! "

    ما إن أنهيت جملتي حتى قفزت رغد بسرعة ، و عمدت إلى اللوحة فغطتها بورقة بيضاء بسرعة و ارتباك !

    ثم بعثرت أنظارها في أشياء كثيرة ... بعيدا عني ... و أخذت تفتح علب الألوان الجديدة التي اشترتها من المكتبة باضطراب ...

    رجعت للوراء ... لم أكن أملك فكرة لما علي فعله الآن ! ماذا علي أن أفعل ؟؟
    أظن ... أن علي الخروج حالا

    الجملة التي ولدت على لساني هذه اللحظة كانت :
    " أحب أن أتفرج على رسوماتك ! "

    و لكن أهذا وقته !
    رجعت خطوة أخرى للوراء و أضفت :

    " لاحقا طبعا ... إذا سمحت ِ "
    رغد توجهت نحو مكتبتها و أخرجت كراسة رسم كبيرة ، و أقبلت نحوي و مدتها إلي ...
    في هذه اللحظة التقت نظراتنا
    كان بريق الدموع لا يزال يتلألأ في عينيها الحمراوين ، ينذر بشلال جارف ...
    أخذت الكراسة ....
    و قلت و قلبي يتمزق :

    " لا تبكي أرجوك ... "

    لكن الدمعة فاضت ... و انسكبت ... و انجرفت ... تقود خلفها جيشا من الدموع المتمردة ...

    " رغد ... سألتك ِ بالله كفى ... أرجوك ... "

    " لا أستطيع أن أتغلب على ذلك ... كلهم مرعبون ... مخيفون ... أشرار ... يريدون اختطافي "

    و انفجرت رغد في بكاء مخيف ... هستيري ... قوي ... و ارتجفت أطرافي ذعرا و غضبا و قهرا كدت أصرخ بسببه صرخة تدوي السماء ...
    أراها أمامي كما رأيتها ذلك اليوم المشؤوم ... و أضغط على الكراسة في يدي و أكاد أمزقها ...
    تمنيت لو أستطيع تطويقها بين ذراعي بقوة ... كما فعلت يومها ... لكنني عجزت عن ذلك
    تمنيت لو ...
    لو أخرج جثة عمار من تحت سابع أرض ... و أقتله ، ثم أمزقه قطعة قطعة..

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    رد: رواية.. أنت لي

    مُساهمة  littledoctor في الجمعة 8 يوليو 2011 - 13:32

    على فكرة انا مش هكمل الا لو حسيت ان في تفاعل علشان اعرف ان في حد متابع... مش كده يا جدعاااااااان

    Evil or Very Mad Sad Evil or Very Mad Sad Evil or Very Mad

    Tarek
    مؤسس المنتدى
    مؤسس المنتدى

    عدد المساهمات: 458
    تاريخ التسجيل: 09/11/2009

    رد: رواية.. أنت لي

    مُساهمة  Tarek في السبت 9 يوليو 2011 - 9:42

    littledoctor كتب:على فكرة انا مش هكمل الا لو حسيت ان في تفاعل علشان اعرف ان في حد متابع... مش كده يا جدعاااااااان

    Evil or Very Mad Sad Evil or Very Mad Sad Evil or Very Mad

    يعنى بعد ماتشوقنا للروايه الجميله الرائعه دى
    تقول مش هاكمل
    هاخنقك

    يلا بقى كمل lol!

    بكل احترام
    قائد نشيط
    قائد نشيط

    عدد المساهمات: 70
    تاريخ التسجيل: 08/06/2011

    البداية مشوقة جداواعتقد النهاية جميلا جدا

    مُساهمة  بكل احترام في السبت 9 يوليو 2011 - 17:08

    هيا اكملى المشوار اكملى القصة
    لاتحرمينا من الادب العائلى
    لكل كل تقدير واحترام

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    الحلقة السابعة عشرة

    مُساهمة  littledoctor في الثلاثاء 19 يوليو 2011 - 2:10


    الحلقةالسابعةعشر
    ----------------

    بين يوم و آخر ، يحضر نوار لزيارة دانة أو الخروج معها للعشاء في أحد المطاعم أو للتنزه ... أو شراء مستلزمات الزفاف و عش المستقبل !

    " إلى أين ستذهبان اليوم ؟؟ "

    سألتها ، و هي ترتدي عباءتها استعدادا للخروج ، قالت :

    " إلى محلات التحف أولا ، ثم إلى الشاطئ ! سأعود ليلا ! "

    قلت :

    " الشاطئ ؟ رائع ! كم أشتاق الذهاب إليه ! "

    قالت بمكر :

    " تعالي معنا ! "

    نظرت إليها باستهتار ثم أشحت بوجهي عنها ... قلت :

    " كنت سأفعل لو أن خطيبك لم يكن ليرافقنا !"

    قالت بخبث :

    " نذهب وحدنا ؟ أنا و أنت ؟؟ "

    " نأخذ أبي و أمي ! ما رأيك دانة ؟؟ اصرفيه و دعينا نذهب نحن الأربعة ! "

    " لا تكوني سخيفة ! "

    و انصرفت عني ترتب عباءتها أمام المرآة ...

    قلت :

    " في كل يوم تخرجين معه ! لم لا تتنازلين عن هذا اليوم لنخرج معا ؟؟ إنني أشعر بالملل "

    قالت :

    " غدا يعود سامر و اذهبي معه حيث تريدين ! "

    و غدا هو موعد زيارة سامر ، الذي يأتي مرة أو مرتين من كل شهر ... ليقضي عطلة نهاية الأسبوع معنا ...
    لكن ...

    لكنني لا أشعر بالحماس للذهاب معه ...

    حين أقارن بين وضعي و وضع دانة أشعر بفارق كبير ... إنها منذ لحظة ارتباطها تعيش سعادة و بهجة متواصلة ... و تستمتع بحياتها كل يوم

    خطيبها رجل ثري و يغدق عليها الهدايا و الهبات !

    كل يوم أذهب أنا للكلية ثم أعود و أقضي وقتا لا بأس به في الواجبات و في الرسم ، بينما تستمتع دانه بالنزهات و الرحلات مع خطيبها المغرور ...
    و في أحيان أخرى تقضي ساعات طويلة في التحدث معه عبر الهاتف !
    حين يتصل سامر فإن حديثنا لا يستغرق غير دقائق ...
    فهل كل المخطوبين مثل دانه سواي أنا ؟؟

    قلت أستفزها :

    " و على كل ... فخطيبك شخص مغرور و بغيض ! لا أعرف كيف تحتملين البقاء معه كل هذه الساعات ! "

    التفتت دانه نحوي و نظرت إلي بخيلاء و قالت :

    " مغرور ؟ و حتى لو كان كذلك ! يحق له ... فهو أشهر و أغنى لاعب في المنطقة ! أما بغيض ... فلا تعني شيئا ! فهو رأيك في جميع الرجال ! "

    و صمتت لحظة ثم قالت :

    " و ربما حتى سامر ! أنت خالية من الرومانسية يا رغد ! و لا تعرفين كيف تحبين أو تدللين خطيبك ! "

    و هنا سمعنا صوت جرس الباب ، فانطلقت دانه مسرعة تحثني على الخروج من غرفتها ، ثم تقلق الباب ... و تغادر ...

    ربما نسيت دانه ما قالت حتى قبل أن تغادر ، لكن كلماتها ظلت تدق مسمارا مؤلما في قلبي لوقت طويل ...

    أنا فعلا لا أشعر باللهفة للقاء سامر ! لكنه دائما يشتاق إلي ... و في الآونة الأخيرة ، بعد أن انتقل إلى مدينة أخرى ، صار يعاملني بطريقة أشد لطفا و حرارة كلما عاد

    ذهبت إلى غرفتي و أنا متأثرة من جملة دانه الأخيرة هذه ... فهل أنا فعلا خالية من الرومانسية ؟؟
    و هل بقية الفتيات يتصرفن مثل دانه ؟؟
    أنا لم أحتك مباشرة بصديقة مخطوبة فأنا أول من خطبت من بين صديقاتي رغم أنني أصغرهن سنا !

    أردت طرد هذه الأفكار عن رأسي ، فعمدت إلى كراساتي ... و أقبلت على الرسم ...

    شيء ما دعاني لأن أفتش بين لوحاتي المتراكمة فوق بعضها البعض عن صورة وليد !

    لا تزال الصورة كما هي ... منذ رحل ... لم أملك أي رغبة في إتمام تلوينها ...
    لست من النوع المتباهي بنفسه ، لكن هذه اللوحة بالذات ... رائعة جدا !

    وليد ... له وجه عريض ... و جبين واسع ... و شعر كثيف ... و عينان عميقتا النظرات ... و فك عريض منتفخ العضلات ... و أنف معقوف حاد !

    إنه أكثر وسامة من نوّار الذي تتباهى دانه به !

    و من سامر المشوه طبعا ...

    لم أكن لأرسم شيئا مشوها كوجه سامر ... إنه لا يصلح عملا فنيا ...

    في لقائي الأخير بوليد ..عند رحيله ليلا ... بكيت كثيرا جدا ... ربما أكثر مما بكيت يوم علمت أنه سافر للدراسة دون وداعي قبل سنوات ...

    أوصدت الباب و دخلت ، و العبرات منزلقة بانطلاق على خدي الحزين

    فوجئت برؤية والدتي تقف عند النافذة المشرفة على الفناء ، و التي تسمح للناظر من خلالها أن يرى البوابة ، و من يقف عند البوابة ، و ما يحدث قرب البوابة !

    لم أعرف لحظتها ما أفعل و ما أقول ... أصابني الهلع و الخرس ... أمي اكتفت برشقي بنظرات مخيفة و حزينة في آن واحد ، ثم انصرفت ...

    منذ ذلك الحين و هناك شيء ما يقف بيني وبينها ... لا أعرف ما كينونته و لا أجله

    في المساء ، زارتني ابنة خالتي نهلة ، و طبعا سارة معها فهي تلازمها كالذيل ليلا و نهارا !

    كنت أرغب في التحدث مع نهلة عن أمور تشغل تفكيري و تحيرني ... و أشياء لا أستطيع التحدث عنها لشخص آخر ... و لكن كيف لي أن أصرف هذه الصغيرة المتطفلة ؟؟

    " ساره ... هل تحبين الذهاب إلى غرفتي و التفرج على رسوماتي ؟؟ يمكنك أيضا رسم ما تشائين ! "

    " سأذهب حين تذهب أختي "

    أوه ... كيف لي أن أصرفها ...؟؟

    " إذن ... ما رأيك بمشاهدة فيلم هزلي جديد مدهش ... أحضره أبي يوم أمس ؟ اذهبي لغرفة المعيشة و تفرجي مع أمي ! "

    "سأبقى معكما "

    نهلة نظرت إلي نظرة استنتاج ، ثم قالت لشقيقتها :

    " عزيزتي ساره ... شاهدي الفيلم و نحن سنأتي بعد قليل ! "

    " سأذهب حين تذهبان "

    يا لها من فتاة مزعجة ! ألا أستطيع أن أنفرد بصديقتي لبعض الوقت ؟؟

    قالت نهلة :

    " لا بأس رغد ! فهي لا تكترث لما نقول ! ... أهناك شيء ؟؟ "

    ترددت ، و لكنني بعد ذلك أطلقت لساني لقول أمور لم أظن أن سارة ستفهمها ... فهي إلى كونها لا تزال صغيرة ، و غبية لحد ما !

    قلت :

    " سامر سيأتي غدا ! "

    قالت :

    " و ...؟؟ "

    قلت :

    " سيفتح موضوع زواجنا من جديد ، كما في كل مرة ! إنه يريد أن نتزوج مع دانه ... و يبدو أن والدتي اقتنعت بالفكرة و صارت تشجعني عليها ... "

    قالت :

    " و أنت ؟؟ "

    تنهدت ثم قلت :

    " تعرفين ... إنني أريد أن أنهي دراستي أولا ... و ... و ... أعرف رأي وليد "

    نهلة ترفع حاجبا ، و تخفض آخر ... و تميل إحدى زاويتي فمها بمكر !

    " و أعرف رأي وليد ! و إذا قال وليد : الزواج ممنوع !؟ "

    قلت بسرعة :

    " لن أتزوج ! "

    قالت :

    " و إن قال : الزواج واجب !؟ "

    لم أرد ... نهلة تأملتني برهة ، ثم قالت :

    " رغد ! و لماذا تنتظرين رأي وليد ؟؟ إنه ليس ولي أمرك أو المسؤول عنك ! "

    استأت من هذه الحقيقة الموجعة ...
    فلطالما كان وليد مسؤولا عني منذ الصغر ... و لطالما قال أنه لن يتخلى عني ... و لطالما اعتبرته أهم شخص في حياتي ... إلى أن غاب ...

    قلت :

    " لكنه ... لكنه ... أكبرنا ... و أنا أحترم رأيه كثيرا ... و ... سأعمل بما يقول "

    نهلة قالت :

    " ألا يزال كما كان في الماضي ؟ أذكر أنه كان طويلا و قويا ! كان يلعب معك كثيرا سابقا ! "

    ابتسمت ، و توسعت الشعيرات الدموية في وجهي ! و قلت بخجل :

    " إنه كذلك ! لكن ... لا مزيد من اللعب فقد أصبح رجلا كبيرا ! "

    قالت :

    " صحيح ! على فكرة هل تزوج ؟؟ "

    الشعيرات التي كانت متفتحة قبل ثوان انقبضت و خنقت الدماء في داخلها ...

    أيقظت جملة سارة في نفسي شيئا كان نائما بسلام ... قلت بارتباك أمحو السؤال و أطرده من الوجود :

    " لا ... لا "

    قالت نهلة :

    " إذن لابد أنه يفكر في الزواج الآن ! بعدما عاد للوطن و استقر في العمل ! "

    ثم أضافت مداعبة :

    " هل تريدين عروسا له ؟؟ جميلة و جذابة و رائعة مثلي !؟ "

    قلت بحنق بدا معه جليا استيائي من الفكرة :

    " لا تكوني سخيفة يا نهلة ! "

    استغربت نهلة استيائي هذا ، ثم قالت :

    " إنه كبير على أية حال ! و لا يناسب فتاة تصغره بتسع سنين ! "

    فكرة أخرى ـ أن يتزوج وليد ـ رافقت الفكرة الأولى ـ خالية من الرومانسية ـ في اللعب بالمضرب و الكرة في رأسي طوال الساعات التالية !

    قلت :

    " إنه ... لا يفكر في الإقامة هنا ... أتمنى لو نعود إلى بيتنا السابق ... معه "

    قالت :

    " ماذا عن خطيبك ؟؟ هل سيستقر هو الآخر في المدينة الأخرى ؟؟ "

    قلت :

    " لا أعرف ... ! عمله هناك ... و لابد له من البقاء هناك "

    " و إن تزوجتما ؟؟؟ ستنتقلين للعيش معه حتما ! "

    لم تعجبني الفكرة !
    لا أريد أن أبتعد عن أهلي ... إنني لا أستغني عنهم ... أريد البقاء في بيتهم ...

    " سأنتظر رأي وليد "

    تقوس حاجبا نهلة دهشة و قالت ببلاهة :

    " رأي وليد ؟؟ في أن تقيمي مع زوجك أو مع والديك ؟؟ "

    قلت بغضب :

    " حمقاء ! أعني في أن نؤجل موضوع الزواج لوقت لاحق ... فربما تتغير الأوضاع ... "

    " عليكم أن تقرروا بسرعة ! فموعد زواج دانه يقترب ! أين هي على فكرة ؟؟ "

    " دانه ؟ خرجت كالعادة تتنزه مع خطيبها ! "

    ابتسمت نهلة ... لكنني أزحت ابتسامتها جانبا بسؤالي :

    " نهلة ...هل يشعر جميع المرتبطين بسعادة مميزة عندما يتنزهون مع بعضهم البعض ... أو يتبادلون الهدايا ... أو المكالمات الهاتفية ؟؟ "

    طبعا نهلة اندهشت ، و قالت :

    " أكيد ! طبعا ! "

    صمت لثوان ، ثم قلت :

    " لكنني لا أشعر بشيء كهذا ! إنني أتحدث معه كما أتحدث معك ! لا شيء مميز ... ليس كما تكون دانه حين تتحدث مع خطيبها أو تخرج معه ! غاية في السرور ! "

    فوجئت نهلة بكلماتي هذه ... ة قالت :

    " أنت ِ ... لا تحبينه ؟؟ "

    قلت بسرعة :

    " بالطبع ... أحبه ! "

    نظرت نهله نحو سارة البليدة ... ثم قالت :

    " كما تحب دانه خطيبها ؟؟ "

    " لا ! كما تحبين أنت ِ حسام ! "

    دانة عادت تسأل :

    " ليس كما تحب امرأة ٌ رجلا ؟؟ "

    توترت من سؤالها ... و بعثرت نظراتي فيما حولي ... و وقع سهم منها على سارة ، و التي كانت تنظر إلينا ببلادة و غباء مزعجين !

    قلت بعصبية :

    " و كيف يجب أن تحب امرأة رجلا ؟؟ "

    قالت نهلة بأسى :

    " أوه يا عزيزتي ! رغد ! إنك لا تزالين طفلة ! "



    عادت دانه من سهرتها الخارجية عند العاشرة و النصف ...

    كنت أشاهد الفيلم الذي أحضره والدي مؤخرا ، و حين دخلت غرفة المعيشة رمت بحقيبة يدها على المقعد و تهالكت عليه بتنهد ...

    " لم لم تنامي بعد رغد ! عادة ما تنامين باكرا جدا ! "

    لم ألتفت إليها ، و أجبت :

    " سأتابع الفيلم حتى النهاية "

    صمتت لحظة ، ثم قالت :

    " سأريك شيئا "

    و سحبت حقيبتها ، و منها أخرجت علبة مجوهرات صغيرة ، و فتحتها لتريني الخاتم الذهبي الرائع الذي بداخلها ...

    " رائع ! كم ثمنه ؟؟ "

    رفعت رأسها و نظرت إلي من طرف عينيها و قالت :

    " كم ثمنه ؟؟ لا أعرف طبعا ، و لكن بالتأكيد باهظ ... أهداني إياه خطيبي الليلة ! كم هو رائع ! "

    قلت و أنا أتأمل هذه التحفة المبهرة :

    " نعم ! رائع هنيئا لك ! "

    قالت دانة :

    " حقا ! هل غيرت رأيك فيه أخيرا ! "

    قلت :

    " الخاتم ؟؟ "

    " بل خطيبي يا نبيهة ! "

    حدقت بها قليلا ثم قلت :

    " بغيض و مغرور ... "

    ثم أشحت برأسي عنها ...

    و إن كان بغيضا في عيني ، فهو في عينيها شيء رائع ... و مميز !

    لم تكترث دانة لقولي ، و أخذت تنقل الخاتم من إصبع لإصبع بسرور و دلال !

    " دانه ... "

    " نعم ؟ "

    كنت أريد أن أسألها ... و شعرت بالخجل ... و لزمت الصمت !

    دانة نظرت إلي باستغراب :

    " نعم رغد ؟؟ ماذا أردت القول ؟؟ "

    ترددت قليلا ثم قلت بحياء و بصوت منخفض و نبرة متوترة :

    " هل ... تحبين نوّار ؟ "

    دهشت دانة من سؤالي ، لذا حملقت بي وهلة ، ثم قالت :

    " ما هذا السؤال !؟ "

    ندمت لأنني طرحته ! إنه موضوع حساس لم أجرؤ من قبل على التحدث فيه مع أي كان ...
    و لما لحظت دانة تراجعي الخجل ، قالت :

    " نعم أحبه ! إنه شريك حياتي ... ! نصفي الآخر ! "

    صمت قليلا ثم سألت :

    " إذن ... كيف تشعرين حين يكون معك ؟؟ "

    أنا بنفسي لاحظت ذلك ... رغم المساحيق التي تغطي وجهها إلا أن اللون الأحمر المتوهج طلى وجهها و هي تجيب على سؤالي :

    " أشعر ... ؟؟ ... بالحرارة ! "

    و أشارت إلى قلبها بيديها كلتيهما ...

    الحرارة ... في صدري و جسمي كله ، هي شعور لم أحس به في حياتي ... إلا عندما اقتربت من شخص واحد فقط ...
    هو وليد ... !

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    " وليد ! هل فقدت صوابك !!؟؟

    قال سيف و هو فاغر فاه لأقصى حد من هول المفاجأة ...
    لقد أخبرته بخبر فعلتي الجنونية الأخيرة ...

    " نعم يا سيف ! استقلت و انتهى الأمر "

    أخذ يهز رأسه و يضرب يدا بالأخرى من الغيظ و الأسف ...

    " أرجوك يا سيف ... قضي الأمر ... لم أكن لأستطيع الاستمرار و الجميع ينظر إلي و يعاملني بهذا الشكل ... يحتقرونني و يتحاشون الاقتراب مني و كأنني وباء خطير "

    " و ما لك و لهم ؟ وليد ! لم يكن الحصول على هذه الوظيفة بالأمر السهل ... لقد تسرعت "

    استدرت بغضب ، و قلا بانفعال :

    " فليذهبوا بوظيفتهم للجحيم "

    أعرف أن العثور على عمل هو من أكثر الأمور صعوبة في الوقت الحالي ، لكنني ضقت ذرعا بالهمزات و اللمزات التي يرمي بها الآخرون علي بقسوة ، لكوني قاتل و خريج سجون ...

    كما و أنني سمعت بعضهم يذكر صديقي سيف بالسوء بسبب علاقته الوطيدة معي ...
    بقائي في العمل بشركته صار يهدد سمعته هو ... و أنا لم أكن لأرضى عليه بأي أذية ...
    أليس هو الباقي لي من الدنيا ؟؟

    تلا هذا صمت مغدق ...
    سيف استاء كثيرا جدا من إقدامي على هذه الخطوة التي وصفها بالتهور ... ألا أنني كنت أراها حلا لابد منه

    قال :

    " ما أنت فاعل الآن ؟؟ "

    ابتسمت ابتسامة سخرية ...

    " أفتش من جديد "

    نعم ... عدنا للصفر !

    لو أنني أتممت دراستي ، مثلك يا سيف ، لكنت الآن ... رجلا محترما مهابا ... أتولى إدارة إحدى الشركات كما كنت أحلم منذ الصغر ...

    و فشلي في تحقيق أي من أحلامي ، هو أمر لا يجب أن تتحمل أنت مسؤولياته ، أو ينالك سوء بسبب علاقتك بي

    سيف كان قلق ... أردت أن أغير الموضوع ، فقلت :

    " اخبرني ... ما النبأ الجميل الذي تحمله ؟؟ "

    و كان سيف قد أبلغني بأن لديه خبر جميل ، عندما وصل إلى بيتي قبل دقائق !

    سيف قال :

    " لقد ... عزمت على إتمام نصف الدين ! "

    فاجأني الخبر ، و أسرني كثيرا ، فأمطرت صديقي بالتهاني القلبية ! إنه أول خبر سعيد أسمعه منذ شهور ...

    " أخيرا يا رجل ! فليبارك الله لك ! "

    " شكرا أيها العزيز ... العقبة لك ! متى يحين دورك ؟؟ "

    دوري أنا !
    إن مثل هذا الموضوع لم يكن ليخطر على بالي !
    و هل يفكر في الزواج رجل خرج من السجن قبل شهور ، و بالكاد بدأ يتنفس الهواء ... و كان و عاد عاطلا عن العمل ! ...
    و فوق كل هذا ... ذو جرح لم يبرأ بعد ...

    قلت :

    " قد تمضي سنوات و سنوات قبل أن تعبر الفكرة على رأسي مجرد العبور ! "

    " لم يا رجل !؟ إننا في السابعة و العشرين ! وقت مناسب جدا ! "

    قلت :

    " لأجد ما يعيلني أولا ! كيف لي أن أتحمل مسؤولية زوجة و أطفال ! "

    قال سيف :

    " إنك تحب الأطفال يا وليد ! ألست كذلك ؟ "

    " بلى ! ... "

    " ستكون أبا عطوفا جدا ! "

    و ضحكنا !

    يمكنني أن أضحك بين حلقات سلسة همومي التي مذ بدأت لم تنته ...


    قضيت أسابيع أفتش عن عمل ... و فشلت
    حتى أقاربي الذين لجأت إليهم طالبا الدعم ، خذلوني
    لو كان سبب دخولي السجن شيء آخر ، لربما عاملني الناس بطريقة أفضل ...
    كرهت الدنيا و كرهت نفسي و كرهت كل شيء من حولي ...
    و بدأت نقودي التي جمعتها خلال الأشهر الماضية تنفذ ... و أعود للفقر من جديد ...
    كنت جالسا في حديقة المنزل الميتة ... أدخن السيجارة تلو الأخرى ... غارقا في التفكير و الهموم ...

    كانت الأرض أمامي قاحلة ... لا زرع فيها و لا حياة ...
    تماما مثل حياتي ...

    تزوج صديقي سيف بعد بضعة أشهر خطوبة ... و ينعم الآن بحياة جديدة ، و يتولى مسؤوليات أكبر ... و لم يعد متفرغا لي ...

    حصلت على عمل بسيط جدا في أحد المحلات التجارية ... إلا أنني لم استمر فيه بسبب المشاكل التي واجهتني ، لكوني موصوم بالإجرام و القتل ...

    أصبت بإحباط شديد ... و أنا افقد القليل الذي كنت قد حصلت عليه ... و ضاقت بي الدنيا ... كما و داهمني الإعياء و المرض ... فقررت الهروب من مدينتي إلى مكان ألقى فيه شيء من الاحترام و المودة
    بعيدا عن السمعة المجروحة ... إلى حيث يوجد من يحبني و يرغب بوجودي و يتقبلني على ما أنا عليه من عيوب و وصم عار ...
    إلى أهلي ....


    كانت شهور عشرة قد انقضت منذ رحلت عنهم ...
    كلما اتصلوا بي أو اتصلت بهم ، أخبرتهم بأنني في أحسن حال ، بينما أنا في أسوئه

    انفث الدخان السام من صدري ... و أفكر ... أأعود إليهم ؟؟ أم لمن ألجأ ؟؟
    أتخيل نفسي بينهم من جديد ... فتظهر صورة رغد لتحتل منطقة الخيال من رأسي ... فأبعدها و أبعد الفكرة ...

    " لا ... لن أعود "

    و أرمي بالسيجارة على الأرض ، و أدوسها بحذائي فتندفن تحت الرمال ... إلى جانب شقيقاتها ... في قبور متجاورة و مزدحمة ...

    لماذا لا أموت أنا مثلها ؟؟

    إلى متى أستمر في تدخين هذه الأشياء القذرة ؟؟

    ألا يكفي السجن أن لوث سمعتي و ضيع مستقبلي ؟

    أأترك دروسه و مخلفاته تلوث صدري و تفسد صحتي ؟؟

    أتذكر قول نديم لي ... لا تدع السجن يفسدك يا وليد ...

    هل أنا شخص فاسد الآن ؟؟

    نديم ...

    ليتك معي الآن ... ...

    فجأة ... تذكرت شيئا غاب عن مذكرتي تماما !

    يوم وفاته ، نديم أوصاني بشيء ...

    طلب مني أن أزور عائلته و أطمئن عليهم !

    وقفت منفعلا ... يا للأيام ! لم يخطر هذا الأمر ببالي من ذي قبل ...

    و كيف له أن يجد فرصة للظهور فيما يحتل تفكيري أمور أخرى ...

    ربما وفاء ً لذكرى صديق عزيز لطالما كان يدعمني في أسوأ أيام حياتي ...

    أو ربما كان فراغا طويلا لم أجد معه ما أفعله

    أو حتى هروبا من هذه المدينة و سمعتي المنحطة فيها

    أيا كان الدافع ، فقد قررت يومها زيارة عائلة نديم !

    نديم أخبرني بأنه يملك مزرعة في المدينة الشمالية ، و هذه المدينة بعيدة عن مدينتي و هي أقرب إلى المدينة الصناعية حيث يعيش أهلي ...

    جمعت كل ما أحتاجه و ما قد أحتاجه ، و عزمت الرحيل ...

    الهدف لم يكن زيارة عائلة نديم تنفيذا لوصيته التي ماتت يوم وفاته ، بقدر ما كان الفرار من الفشل الذريع الذي أعيشه في هذه المدينة

    الآن أدرك لم قرر والدي الرحيل ، و لم لا يفكر في العودة

    لا بد أنه تعرض لمثل ما تعرضت له ... بسبب جريمتي النكراء ...

    ذهبت لزيارة سيف في مسكنه الجديد ، و أبلغته أنني راحل ...

    كان وداعنا مؤلما إلا أنه قال :

    " في أي وقت ... و كل وقت ... تشعر بأي حاجة لأي شيء ، تذكر أنني موجود "

    و دفع إلي مبلغا من المال قبلته على شرط أن أرده له في أقرب فرصة ... و لا أعلم كم تبلغ المسافة بيني و بين هذه الفرصة !

    أقفلت أبواب المنزل الكئيب ... و تركت الذكريات القديمة سجينة ... تغط في سبات أبدي ...
    بما فيها صندوق الأماني المخنوق ، و الملقى بلا اهتمام عند إحدى زوايا الغرفة
    إن كتب لي أن أعود يوما ... فسأفكر في فتحه !

    انطلقت مستعينا بالله و متوكلا عليه ... متجها إلى المدينة الشمالية ... لم أكن قد زرتها في حياتي من قبل ، إلا أنني أعرف أن الطريق إلى المدينة الصناعية يؤدي إليها ، و أنها لا تبعد عن الأخيرة إلا قليلا

    وصلت إلى المدينة الصناعية ... و شوقي سحبني نحو بيت عائلتي سحبا ...
    كيف لي أن أعبر من هنا ... ثم لا أمر لألقي و لو نظرة عابرة على أهلي ..؟؟

    كان الوقت عصرا ... أوقفت سيارتي إلى جانب سيارة أبي ، و السيارة الأخرى التي تبدو جديدة و آخر طراز !
    ---------------------------------------------
    مؤخرا صار سامر يأتي إلينا مرة واحدة في الشهر ... أصبح يعمل عملا مضاعفا و قلت حتى اتصالاته !

    و حين جاء البارحة ، طلبت منه أن يصطحبني إلى الشاطئ هذا اليوم !

    طبعا سامر فرح كثيرا بهذا الطلب ... و أنا كنت أريد أن أرفه عن نفسي و أقلد دانة !
    إنها دائما تشعرني بأنني لا أصلح امرأة !
    الجميع من حولي يعاملونني على أنني لا أزال طفلة !
    إنني الآن في الثامنة عشر من العمر ... و أحس بأنني خلال الأشهر الماضية كبرت كثيرا !

    لقد بدأت استخدم المساحيق بكثرة مثلها ، و أشتري الكثير من الحلي و الملابس... بالرغم من أنني لا أجهز للزفاف مثلها !

    فكرة الزواج الآن لم أقتنع بها ... و لسوف أنتظر حتى أنهي دراستي و أكتسب صفات المرأة التي تعرف كيف تحب و تدلل شريك حياتها !

    أليس هذا هو المطلوب ؟؟

    " هيا رغد ! الوقت يمضي ! "

    سامر يناديني ، و هو يقف خلف الباب ، ينتظر خروجي ...
    أجبت و أنا ارتدي شرابي ثم حذائي الجديد ذا الكعب العالي ، على عجل :

    " قادمة ... لحظة "

    و في ثوان كنت أفتح الباب ...
    حين صرت أمامه راح يحدق بي باستغراب ، ثم قاد بصره إلى حذائي !

    " رغد ! لقد طلت بسرعة ! لم تكوني هكذا البارحة ! "

    ابتسمت و قلت و أنا أظهر حذائي الطويل من خلف عباءتي :

    " إنها الموضة ! "

    سامر ضحك و قال :

    " و لكن يا عزيزتي هل ستسيرين بحذاء هكذا على الشاطئ ؟؟ "

    " لا يهم ! أنا أريد أن أظهر أطول قليلا حتى لا يظنني الناس طفلة ! "

    " كما تشائين ! هيا بنا "

    و خرجنا ، و مررنا بالمطبخ حيث وضعت سلة صغيرة تحتوي بعض الحاجيات فحملها سامر و هممنا بالانصراف ....

    و إذا بدانة تقول :

    " هل آتي معكما ؟؟ "

    أنا و سامر تبادلنا النظرات ...

    طماعة ! ألا يكفيها أنها تخرج مع خطيبها كل يوم فيما أنا جالسة وحيدة في المنزل ؟؟

    قلت :

    " لا ! إنها رحلة خاصة ! "

    سامر ابتسم بخجل ، و دانه نظرت إلي من طرف عينها مع ابتسامة خبيثة أعرفها جيدا ... و أعرف ما تعنيه منها !

    تجاهلتها و سرت مبتعدة ...

    " انتبهي لئلا تنزلقي زرافتي ! "

    و أخذت ْ تضحك !

    قلت بحنق :

    " ليس من شأنك "

    و خرجت مسرعة ....
    دانه تتعمد التعليق على أي شيء يخصني ... و دائما تعليقها عنه يوحي بعدم رضاها أو سخريتها منه !

    إلا أنها تشعر بالغيرة من طولي الذي يسمح لي بارتداء أحذية كهذه ، و هي محرومة منها !

    خرجنا على الفناء الخارجي و سامر يبتسم بسرور !

    حتى و إن كانت نظارته السوداء الكبيرة تخفي عينيه ... كنت أعرف أنه يحدق بي !

    اعتقد أنه سعيد جدا ... السعادة المميزة ... التي لم أذق لها أنا طعما حتى الآن ...

    فيما نحن نقترب من الباب ، قرع الجرس !

    تقدم سامر و فتحه ...

    و توقفت الكرة الأرضية عن الدوران !

    اعتقد أن شهابا قد ارتطم بها ... هنا خلف هذا الباب !

    شعور مفاجئ ... و اصطدام مجلجل ... و حرارة محرقة شاوية ... و حمم ... و ضباب ... و اختناق ... و ارتجاف ... و عرق ... و ذهول ... كلها مجتمعه انبثقت فجأة من عند الباب و اجتاحتني ...

    هل أصدق عيني ! ؟

    هل يقف أمامي المارد الناري الضخم المرعب ... متمثلا في صورة ... وليد ؟؟؟

    هتف سامر بذهول و بهجة عارمة :

    " أخي وليد !! "

    و تعانقا عناقا طويلا ...

    يا لها من مفاجأة مذهلة !

    اعتقد أنه كان علي الأخذ بنصيحة سامر و تغيير حذائي ... إنني أوشك على الانزلاق ! لماذا فقدت توازني بهذا الشكل ؟؟

    بعد لقائهما الحميم ... استدارا نحوي ...

    حينما وقت عيناه على عيني ، طردهما بسرعة و غض بصره ... و قال بهدوء لا يتناسب و الحمم و البركاين و الانفجار و النيران الذي تولدت لحظه ظهوره من فتحة الباب :

    " كيف حالك صغيرتي ؟ "

    لقد حاولت أن أحرك لساني لقول أي شيء ... لكن بعد احتراقها ، فإن كلماتي قد تبخرت و صعدت للسماء !

    طأطأت رأسي للأرض خجلا ... حين عبرت ذكرى لقائنا الأخير سريعة أمام عيني ! ...

    الرجلان يقتربان ...

    رفعت رأسي فإذا بعينيه تطيران من عيني إلى الشجرة المزروعة قرب الباب الداخلي ...

    سمعته يقول :

    " ألا يبدو أنها كبرت !؟ "

    التفت إلى الشجرة ... صحيح ... لقد كبرت خلال الشهور الطويلة التي غاب فيها وليد عنا !

    لكني سمعت سامر يضحك و يقول :

    " إنه الكعب ! "

    أدركت أنه كان يقصدني أنا ! كم أنا غبية !

    قال وليد :

    " أ كنتما ... خارجين ؟؟ "

    قال سامر :

    " أوه نعم ... لكن يمكننا تأجيل ذلك لما بعد ... تعال للداخل ستطير أمي فرحا ! "

    قال وليد :

    " أرجوكما امضيا إلى حيث كنتما ذاهبين ! إنني سأبقى في ضيافتكم فترة من الزمن ! "

    مدهش !

    عظيم !

    ممتاز !

    و أقبلا نحو الباب الداخلي ، و دخلنا نحن الثلاثة ...

    كانت مفاجأة مذهلة أحدثت في بيتنا بهجة لا توصف ...

    عشر شهور مضت ... و هو بعيد ... لا يتصل إلا قليلا ... و حين يتصل يتحدث مع الجميع سواي ... و إن تحدث معي صدفة ، ختم جمله المعدودة بسرعة ...

    لكنه الآن موجود هنا !

    أنا فرحة جدا !

    علمنا في وقت لاحق أنه مر منا قبل ذهابه إلى المدينة الشمالية لأمر خاص ...

    " كم ستظل هناك ؟؟ "

    سألته أمي ، فأجاب :

    " لا أعرف بالضبط ، ربما لبعض الوقت ... سأفتش عن عمل هناك فقد أجد فرصة أفضل ! "

    دانة قالت :

    " و ماذا عن عملك في المدينة ؟؟ "

    وليد اضطربت تعبيرات وجهه ، و قال :

    " تركته "

    ثم غير الموضوع لناحية أخرى ...

    فجأة سألني :

    " كيف هي الكلية ؟؟ "

    أنا تلفت من حولي بادئ الأمر ... كأنني أود التأكد من أن وليد يتحدث إلي أنا !

    بالطبع أنا !

    لا يوجد من يدرس بالكلية غيري الآن !

    قلت بصوت خفيف خجل :

    " الحمد لله ... تسير الأمور على ما يرام "

    قال سامر :

    " أنها مجتهدة و نشيطة ! و مغرمة بالفن أكثر من أي شيء آخر ! حتى مني ! "

    الجميع أخذوا يضحكون ...

    سواي أنا و وليد ...

    أنا لم تعجبني هذه الجملة ... أما وليد ... فلا أعرف لم اكفهر وجهه هكذا ... ؟؟

    قالت دانة :

    " إذن فقد أفسدت رحلتك الخاصة أيتها الببغاء الصغيرة ! "

    و استمرت في الضحك ...

    أنا استأت أكثر ...

    وليد سأل دانة :

    " أية رحلة ؟ "

    أجابت :

    " كانا يودان الذهاب للشاطئ ! سامر لا يأتي غير مرة في الشهر و خطيبته متلهفة لقضاء وقت ممتع و متميز معه ! إنها تغار مني ! "

    و رفعت رأسها بتباهي ...

    ربما كانت تقصد مداعبتي ، لكنني حملتها محمل الجد ... و وقفت فجأة ، و استأذنت للانصراف ...

    ذهبت إلى غرفتي مستاءة ... و غاضبة ...

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    قلت :

    " يبدو أنها تضايقت ... "

    فجميعنا لاحظ ذلك ... أما زالت دانه على ما كانت عليه منذ الطفولة ؟؟

    نظرت إلى شقيقتي باستياء ... و كذلك كان سامر ينظر إليها ...

    قالت :

    " كنت أداعبها فقط ! "

    سامر قال :

    " لكنها انزعجت منك ! سأذهب إليها "

    و غادر من فوره ...

    أنا طبعا لم أملك من الأمر من شيء ...

    قلت لدانة :

    " أحقا كانا يودان الذهاب للشاطئ ؟ أنا آسف أن حضرت و أفسدت مشروع نزهتهما ! "

    " لا تكترث وليد ! فهي فكرت في الذهاب فقط لأنني أوحيت لها بأن تذهب ! إنها لا تحب الخروج من المنزل خصوصا للأماكن العامة "

    التزمت الصمت و لم أعلق على جملتها الأخيرة ...

    قالت :

    " ما رأيكم أن نذهب جميعا غدا لنزهة عند الشاطئ ! كم سيكون ذلك رائعا ! "

    نزهة عند الشاطئ ؟ يبدو حلما ! إنني لم أقم بهكذا نزهة منذ سنين !

    و يبدو أن الفكرة قد راقت للجميع ...

    سألت :

    " و ماذا عن نوّار ؟؟ "

    قالت :

    " في البلدة المجاورة ! إنها مباريات حاسمة ! ألا تتابع الأخبار ؟؟ "

    في الواقع ، أخبار كرة القدم ليست من أولويات اهتماماتي !

    تحدثنا عن أمور عدة ... و شعرت براحة كبيرة ... هنا حيث أحظى باهتمام أناس يحبونني و يعزونني ...

    أنا أرغب في العيش مع أهلي فقد سئمت الوحدة ... ألا يكفي أنني حرمت منهم كل هذه السنين ؟؟

    خرجت من كنفهم و أنا فتى مراهق ... مليء بالحماس و الحيوية و مقبل على الحياة ... طموح و ماض في طريق تحقيق أحلامه ...

    و عدت إليهم ... و أنا رجل كئيب محبط مثقل بالهموم ... فاقد الاهتمام بأي شيء ... صقلني الزمن و شكلتني الأقدار ...

    لكنهم لا زالوا يحترمونني ...

    بعد مدة ، عاد سامر لينضم إلينا ... لم تكن رغد معه

    كنت أريد أن أسأله عنها ، و لم أجرؤ !

    إنها لم تعد طفلتي ... لم يعد لي الحق في الإهتمام بها ...

    " إذن فتلك السيارة الرائعة في الخارج هي لك يا سامر ! "

    سألته ، فأجاب :

    " نعم ! اشتريتها مؤخرا ... ما رأيك بها ؟؟ "

    " مظهرها رائع ! "

    " و مزاياها كذلك ! كلفتني الكثير ! "

    مقارنة بسيارتي القديمة فإن أي شيء في سيارة سامر سيبدو مدهشا !
    إذن ... فأحوال أخي المادية جيدة ...
    كم أبدو شيئا صغيرا أمامه ... كم خذلت والدي ّ الذين كانا في الماضي ... يعظمان من شأني و يتوقعان لي مستقبلا مشرفا ...

    شعور جديد تولد هذا اليوم ، يزيدني رغبة فوق رغبة في الرحيل العاجل ...

    ففي الوقت الذي يتمتع فيه سامر بعمل جيد و دخل وفير و مستقبل مضمون ... افتقر أنا لكل شيء ...

    حتى رغد ...

    أصبحت له ...
    ألم شديد شعرت به في معدتي هذه اللحظة ، كان يتكرر علي في الآونة الأخيرة و لكنني لم أزر أي طبيب ...

    استمر معي الألم فترة طويلة و لم أشعر معه بأي رغبة لتناول الطعام المعد على مائدة العشاء ...

    لذا ، ذهبت إلى غرفة شقيقي ناشدا الراحة و الاسترخاء

    في صباح اليوم التالي أردت الذهاب إلى المطبخ حيث يجلس الجميع ...

    قبل دخولي تنحنحت و أصدرت أصواتا من حنجرتي حتى أثير انتباههم لوصولي ، اقصد انتباه رغد لوصولي ...

    " تفضل بني "

    قالت أمي ... فدخلت و أنا حذر في نظراتي ... لم أكن أريد أن أراها ... لكنني رأيتها !

    " صباح الخير جميعا "

    ردوا تحية الصباح و طلبوا مني الجلوس إلى مائدة المطبخ الصغيرة التي يجتمعون حولها

    " تعال وليد ! إننا نخطط لرحلة اليوم ! هل تحتمل الرحلة أم أنك لا تزال متعبا ؟؟ "

    التفت إلى دانة التي طرحت السؤال ، و لم يكن بإمكاني منع عيني من رؤية رغد التي تجلس إلى جوارها

    " أحقا قررتم ذلك ؟ سيكون ذلك رائعا ! "

    أمي قالت و هي تشير إلى المقعد الشاغر :

    " تعال عزيزي ... أعددت ُ فطورا مميزا من أجلك ! "

    نظرت باتجاههم ، لقد كانوا جميعا ينظرون إلي ، بلا استثناء ...

    قلت :

    " سـ ... أذهب إلى غرفة المعيشة "

    و انسحبت من المطبخ ...

    وافتني أمي بعد قليل إلى غرفة المعيشة تحمل أطباق الفطور ...

    " شكرا ... "

    ابتسمت أمي ، و بدأت أنا في تناول وجبتي بهدوء ، بينما هي تراقبني !

    " أمي ... أهناك شيء ؟؟ "

    سألتها بحرج ، قالت بابتسامة :

    " لا عزيزي ... فقط أروي ناظري برؤيتك ... "

    شعرت بالطعام يقف في بلعومي ...

    برؤية من تودين يا والدتي الارتواء ؟؟

    برؤية الخذلان و الفشل ؟؟ الحطام و البقايا ؟؟

    برؤية رجل موصوم بالجريمة ؟؟

    كم خذلتك ! كم كنت فخورة بي في السابق ! إنني الآن شيء يثير النفور و الازدراء في أعين الجميع ...

    " الحمد لله "

    حمدت ربي ، و وضعت الملعقة على الطبق ...

    " لم توقفت ! ألم يعجبك ؟؟ "

    " بلى أماه ... لكني اكتفيت "

    " عزيزي سأخرج إن أزعجك وجودي ... أرجوك أتم وجبتك "

    " لا يا أمي ، لقد اكتفيت و الحمد لله "


    أمي بعد ذلك ، عادت بالأطباق إلى المطبخ ، ثم أقبل الجميع إلى غرفة المعيشة و حاصروني بنظراتهم ... و أسئلتهم حول أموري ...

    أنا كنت اكتفي بإجابات مختصرة ... فلا شيء فيما لدي يستحق الذكر و الاهتمام ...

    و كالبقية كانت رغد تتابعني بعينيها و أذنيها ، في صمت ...

    " ما رأيك بتجربة سيارتي يا وليد ! لنقم بجولة قصيرة ! "

    بدت فكرة ممتازة و منقذة ، فوافقت فورا و نهضت مع سامر ، و خرجنا ...


    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    " هل غضبت مني أمس حقا ! أنا آسفة يا رغد ! كنت أمازحك ! "


    نظرت إلى السقف و قلت :

    " حسنا ، انتهى الأمر الآن "

    ثم إليها و قلت :

    " و لكن لا تنعتيني بالببغاء ثانية ... خصوصا أمام وليد "

    قالت دانة باستغراب :

    " وليد ؟؟ "

    فاضطربت ...

    قالت :

    " تعنين سامر !؟ "

    قلت :

    " وليد أو سامر أوأي كان ... أمام أي كان ! "

    و أشحت بوجهي بعيدا عنها

    فعادت تبرد أظافرها بالمبرد و تغني !

    كنا نجلس في المطبخ ، و للمطبخ نافذة مطلة على ساحة خارجية خلفية تنتهي بالمرآب
    مرآب منزلنا مفتوح من ثلاث جهات ، و يسد جهته الخارجية بوابة كهربائية ...

    أقبلت أمي تحمل سلة الملابس المغسولة و دفعت بها إلي :

    " رغد ... انشريها على الحبال "

    أوه ... يا لعمل المنزل الذي لا ينتهي !

    أردت أن أعترض و أوكل المهمة إلى دانة ، التي تجلس أمامي تبرد أظافرها بنعومة !

    " انشريها أنت يا دانة ! "

    هزت رأسها اعتراضا ، فهممت أن أتذمر !

    لكني لمحت من خلال النافذة بوابة المرآب تنفتح ، و أدركت أنهما قد عادا !
    و بسرعة ابتلعت جملة التذمر قبل أن أتفوه بها و قلت متظاهرة بالاستسلام :

    " حسنا ... لن أؤذي أظافرك ! سأنشرها أنا ! "

    و حملت السلة ، و خرجت للفناء الخلفي ...

    وليد ركن السيارة في المرآب ثم خرج منها هو و سامر ...

    و هاهما الآن يقبلان باتجاهي ...

    سامر نزع نظارته السوداء ...

    و سارا متوازيين جنبا إلى جنب يسبقهما ظلاهما ... و يدوسان عليهما ...

    وليد ... بطوله و عرضه و بنية جسده الضخم ... و الذي اكتسب عدة أرطال منذ لقائي الأخير به قبل شهور ... زادت وجهه امتلاء و جسده عظمة ... و كتفيه ارتفاعا ... و صار يشغل حيزا محترما من هذا الكون و يفرض وجوده فيه !
    يخطو خطا أكاد أسمع صوت الأرض تتألم منها !

    سامر ... بجسمه النحيل ... و قوامه الهزيل... و وجهه الطويل ... المشوه ...
    و خطاه الهادئة البسيطة ... و أنظاره الخجلة التي غالبا ما تكون مدفونة تحت الأرض ...

    شيء ما أحدث في نفسي توترا و انزعاجا ...

    إنهما مختلفان ...

    لماذا تنجرف أنظاري لا إراديا نحو وليد ؟؟؟

    لماذا يشدني التيار إليه هو ؟؟

    حين صارا أمامي مباشرة ، توقف سامر و قال :

    " أأساعدك ؟؟ "

    بينما تابع وليد طريقه مرورا بي ... ثم ابتعد دون أن ينظر إلي ...

    لكنني كنت أراقبه ...

    توقف برهة و استدار مادا يده نحو سامر قائلا :

    " المفتاح "

    مفتاح السيارة كان يسبح في كفه كسمكة في البحر !

    تناول سامر المفتاح منه ، ثم أخذ يساعدني في نشر الملابس على الحبال ... في الحقيقة قام هو بالعمل ... فأنا كنت شاردة و سارحة أفكر ...

    هل هذا هو شريك حياتي حقا ؟؟

    لماذا علي أنا أن أتزوج رجلا مشوها ؟؟

    لقد شغلت الفكرة رأسي حتى ما عدت بقادرة على التركيز في شيء آخر ...

    هل حقا سأتزوج سامر ؟؟
    كم كانا مختلفين ... و هما يسيران جنبا إلى جنب ...

    في وقت الغذاء ، لم أساهم في إعداد المائدة و وافيت البقية متأخرة بضع دقائق ...
    أتدرون ماذا حدث عندما دخلت غرفة المائدة و جلست على مقعدي المعهود ؟؟

    قام وليد ... و غادر الغرفة !

    تلوت معدتي ألما حين رأيته يذهب ... إنه لا يريد أن يجلس معي حول مائدة واحدة!

    الجميع تبادلوا النظرات و حملقوا بي ...

    أمي تبعته ، ثم عادت بعد أقل من دقيقة و قالت :

    " رغد ... خذي أطباقك إلى المطبخ "

    صدمت و اهتز وجداني ... و شعرت بالإهانة ... و بأنني أصبحت شيئا
    لا يرغب وليد في وجوده ... شيئا يزعجه ... و يتحاشى اللقاء به ...

    نعم فأنا ابنة عمه التي كبرت و أصبحت ... شيئا محظورا ..

    رفعت أطباقي و ذهبت إلى المطبخ و انخرطت في بكاء مرير ...

    بعد قليل أتتني دانة تحمل أطباقها هي الأخرى :

    " رغد ! و لم هذه الدموع أيتها الحمقاء ! "

    لم أعرها أذنا صاغية ، فقالت :

    " إنه يشعر بالحرج و الخجل ! تعرفين كيف هو الأمر ! هذا من حسن الأدب ! "

    قلت :

    " لكنني كنت معكم العام الماضي "

    قالت :

    " ربما لم يكن قد اعتاد فكرة أنك ... كبرت ! "

    ليتني لم أكبر !

    تركت أطباقي غير ملموسة و خرجت من المطبخ متوجهة إلى غرفتي ،
    و دانة تشيعني بنظراتها ...

    في الغرفة ... تأملت صورة وليد التي رسمتها قبل شهور ... و انحدرت دموعي ...

    أخذت أتخيله ... و هو واقف إلى جوار سامر ... يفوقه في كل شيء يعجبني ...

    ثم ...
    ثم ...
    أتزوج سامر ! ! ؟؟


    لماذا أقارن بينهما هكذا ؟؟

    وفي العصر ، أتتني دانة ..

    " الم تستعدي بعد ؟ سننطلق الآن ! "

    " إلى أين ؟؟ "

    " أوه رغد هل نسيت ! إلى الشاطئ كما اتفقنا ! "

    بالفعل كنت قد نسيت الفكرة ... و بالرغم من أنني كنت مسرورة جدا بها مسبقا ألا أنها الآن ... لا تعجبني !

    " لا أريد الذهاب "

    حملقت دانة بي و قالت :

    " عفوا ! ألم تكوني أنت المشجعة الأولى ! هل ستبقين في البيت وحدك ؟؟ "

    قلت :

    " هل سيذهب الجميع ؟؟ "

    " بالطبع ! إنهم في انتظارنا فهيا أسرعي ! "

    و ذهبت إلى غرفتها تستبدل ملابسها ...

    أن أبقى وحدي في البيت هي فكرة غير واردة ... لم يكن أمامي إلا الذهاب معهم ...

    توزعنا على سيارتي أبي و سامر ...

    جلس وليد على المقعد المجاور لسامر ، و أنا خلفه ، و دانه إلى جانبي ، و تركنا والدي ّ معا في السيارة الأخرى ...

    وليد و سامر كانا يتبادلان الأحاديث المختلفة تشاركهما دانة ، أما أنا فبقيت صامتة ... أراقب و استمع ... و أشعر بالألم ...

    لم تفتني أي كلمة تفوه بها وليد ... او أي ضحكة أطلقها

    كنت أصغي إليه باهتمام بالغ ! حتى كدت أحفظ و أردد ما يقول !

    عندما وصلنا ، فرشنا بساطا كبيرا و وضعنا أشياءنا و جلسنا عليه ، إلا أن وليد ظل واقفا ... ثم ابتعد ... و سار نحو البحر ...

    إنه لا يريد الجلوس حيث أجلس ...

    لماذا يا وليد ؟؟

    هل تعرفون كم دقيقة في الساعة ؟؟

    ستون طبعا !

    و هل تعرفون كم مرة في الساعة فكرت به ؟

    ستون أيضا !

    و هل تعرفون كم ساعة بقينا هناك ؟؟

    ست ساعات !

    هل أحصيتم كم وليد جال برأسي خلال الرحلة ؟؟

    الثلاثة ، أبي و وليد و سامر ذهبوا للسباحة ، أمي تصف قطع اللحم في الأسياخ و دانة تساعدها ...

    و أنا ، معدتي تئن !

    " رغد ! لم لا تبتلعين أي شيء ريثما يجهز العشاء ؟؟ لم تضرم النار بعد و سنستغرق وقتا طويلا ! "

    نظرت إلى دانة و قلت :

    " لم لا تسرعان ؟ "

    " لا يزال الوقت مبكرا ! أنت من فوّت وجبة الغداء ! "

    لقد كنت جائعة بالفعل ! و فتشت في السلات فلم أجد شيئا يستحق التهامه حتى يجهز طعام العشاء المشوي !

    نظرت من حولي فرأيت مقصفا صغيرا على مقربة منا ...

    " أريد الذهاب إلى هناك ! "

    قالت دانة :

    " اذهبي ! "

    قلت :

    " تعالا معي ! "

    ابتسمت دانة ابتسامتها الساخرة التي تعرفون و قالت :

    " نعامتي الصغيرة ... تخشى من الظلام ...
    و ترجف خوفا ... من فئران نيام ! "

    و هو مطلع أغنية للأطفال !

    غضبت منها فاسترسلت في الضحك ...

    تجاهلتها و خاطبت والدتي :

    " تعالي معي ... "

    أمي مدت يديها الملطختين بعصارة اللحم ، تريني إياهما و قالت :

    " فيما بعد رغد "

    نظرت نحو الشاطئ فوجدت وليد يجلس على أحد المقاعد ... و والدي و سامر لا يزالان يسبحان ...

    التفت إلى دانة و قلت :

    " دعينا نقترب من الشاطئ ... أريد أن أبلل قدمي ! "

    دانة قالت :

    " أنا لا أريد ! اذهبي أنت ِ "

    " لا أريد الذهاب وحدي "

    و عادت تغني :

    " نعامتي الصغيرة ... تخشى من الظلام !! "

    أصبحت لا تطاق ... !

    و أمي منهمكة في إعداد أسياخ اللحم ...

    " اذهبي رغد ... إنهم هناك ! اذهبي عزيزتي ... "

    قالت أمي مشجعة إياي ...

    لم يكن هناك الكثيرون على مقربة منا ... و لكنني ترددت كثيرا ...

    في النهاية أقنعت نفسي بأنهم قريبون من الساحل ، كما و إن وليد يجلس هناك ... و لا داعي لأي خوف ...

    سرت نحوه و أنا أحس بنظرات أمي تتبعني ... فهي تريد لي التخلص من خوفي المبالغ به ... من أماكن لا تستوجب أي خوف أو حذر ...

    كانت أمواج البحر تتلاطم بحرية ... و نسمات الهواء باردة منعشة تغزو صدري الضائق منذ ساعات ... فتفتح شعبه و توسعه ...

    اقتربت من وليد ... و لم يشعر بي

    تجاوزته نحو الماء ... فلم أحس بحركة منه .. التفت فرأيته مغمض العينين ، و ربما نائم !

    سمحت للماء البارد بتبليل قدمي ... و شعرت بانتعاش !

    لوّح سامر لي ... فشعرت بأمان أكثر و تجرأت على خطو خطوتين يمينا و يسارا ... إلا أنني لم ابتعد أكثر من ذلك ... لم أخرج عن الحيز الذي يحيط بوليد و يشعرني بالطمأنينة ...

    و الآن تجرأت على خطوة أكبر ... و جلست على الرمال المبللة و مددت يدي لألامس الأمواج ...

    كان شعورا رائعا !

    أقبل مجموعة من الأطفال بألعابهم و أطواق نجاتهم ، و بدؤوا يلعبون بمرح ... كنت أراقبهم بسرور !

    ليتني أعود صغيرة لألهو معهم !

    التفت للوراء ... إلى وليد ... استعيد ذكريات ظلت عالقة في ذاكرتي ...

    كان وليد يلاعبني كثيرا حينما كنت صغيرة ! و في المرات التي نقوم فيها برحلة إلى الشاطئ ... كان يبقى حارسا لي و لدانة !

    عدت بنظري للأطفال ... أتحسر !

    يبدو أن أصواتهم قد أيقظت وليد من النوم ... سمعت صوته يتنحنح ثم يتحرك ، استدرت للخلف فوجدته يقف و ينظر إلى ما حوله ...

    وليد تحرك مقتربا من البحر ... فنهضت بسرعة و قلت :

    " إلى أين تذهب ؟؟ "

    وليد توقف ، ثم ... قال :

    " لأسبح ... "

    قلت :

    " انتظر ... سأعود لأمي ... "

    في نفس اللحظة أقبل سامر يخرج من الماء نحو اليابسة ...

    " وليد ... تعال يا رجل ! يكفيك نوما ! "

    قال سامر ، فرد وليد :

    " أنا قادم ... لكن ألا يجب أن نشعل الجمر الآن ؟؟ "

    " لا يزال الوقت مبكرا ! "

    و التفت سامر إلي و قال :

    " رغد أخبري أمي بأننا سنقضي ساعات أكثر في السباحة ! "

    قلت :

    " حسنا ! "

    بينما تصرخ معدتي : كلا !

    سامر خرج من الماء ، و صار واقفا إلى جوار وليد ... و قام ببعض التمارين الخفيفة ...

    التفت إلى ناحية البساط الذي نفترشه ، و خطوت متجهة إليه ...

    مجموعة من الناس كانوا يلاحقون كرة قدم ... فيضربها هذا و يركلها ذاك ... يتحركون في طريقي ...

    وقفت في منتصف الطريق لا أجرؤ على المضي قدما ...

    التفت إلى الوراء فوجدت الاثنان يراقباني ...

    و إلى حيث تجلس أمي و أختي ... فإذا بهما أيضا تراقباني ...

    الآن ... تدحرجت الكرة نحوي و اقتربت من قدمي ... و أقبل اللاعبون يركضون نحوها ...

    وصل إلي أحدهم و قال :

    " معذرة يا آنسة "

    أصبت بالذعر ... فجأة ...

    خطوة للوراء ...

    ثم خطوة أخرى ...

    ثم أطلقت ساقي للريح راكضة باضطراب و فزع ...

    إلى حيث جرفني التيار ...

    نحو وليد !

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    الحلقة الثامنة عشرة

    مُساهمة  littledoctor في الثلاثاء 19 يوليو 2011 - 2:15


    الحلقةالثامنةعشر
    ---------------

    أفقت من غفوتي القصيرة ...

    كنت أجلس على أريكة بمحاذاة الشاطئ ، تتدلى قدماي في مياه البحر و تعانقان أمواجه الراقصة ...

    الهواء كان منعشا جدا و البحر غاية في الجمال ... منظر لم تره عيناي منذ سنين

    إنها المرة الأولى منذ تسع سنين ، التي يبتهج فيها صدري و أنا بين أهلي و أحبابي ...

    أصوات مجموعة من الأطفال تغلغلت في أعماق أذني و أيقظتني من راحتي النادرة

    ما إن فتحت عينيّ الناعستين حتى تلقتا منظرا جعلني أقف منتصبا فورا !

    كانت رغد ... صغيرتي الحبيبة ... خطيبة أخي الوحيد ... تجلس على الرمال المبللة تعبث بالماء ... إلى جواري تماما !

    نهضت و قد أصابني الروع !

    و سرعان ما هبت هي الأخرى واقفة ، تنظر إلي ...

    وجّهتُ سهام بصري إلى البحر ... ليبتلع أي شعور يفكر في الاستيقاظ في داخل قلبي ... و خطوت مبتعدا عنها

    استوقفتني ، فأخبرتها بأنني ماض للسباحة فقالت بسرعة :

    " انتظر ! سأعود لأمي ... "

    لم أعرف ما إذا كانت تقصد مني مرافقتها أو مراقبتها تحديدا ، إلا أنها حين سارت مبتعدة بقينا أنا و سامر ـ و الذي خرج من الماء للتو و وقف إلى يساري لا يفصلني عنه غير شبرين ـ نراقبها و هي تبتعد ...

    و حين ظهر فتى في طريقها يريد أخذ كرة القدم التي تدحرجت منه نحوها ، اضطربت صغيرتي ... و استدارت نحونا ... و أقبلت مسرعة و أمسكت بذراعي اليمنى و اختبأت خلفها !

    أنا طبعا وقفت كالجدار لا أحس بشيء مما حولي و لا أعرف ماذا يحدث و ماذا علي أن أفعل !

    أردت أن أسحب ذراعي لكنها غرست أظافرها بي و آلمتني ...

    الفتى ذاك كان يحمل الكرة و ينظر بتعجب نحونا

    و أمي و دانه أيضا تنظران بتعجب

    أما النظرات التي لم أعرف ما طبيعتها هي نظرات أخي سامر ...

    " صغيرتي ... صغيرتي ... لا بأس عليك ... اهدئي أرجوك "

    رغد الآن تنظر إلى و قد اغرورقت عيناها بالدموع ، و قالت بانفعال و اضطراب :

    " لماذا لم تأتِ معي ؟ لماذا تركتني وحدي ؟ هل تريد أن يؤذيني أحد بعد ؟ "

    كلمتها هذه جعلت عضلاتي تنقبض جميعها فجأة ، و لا شعوريا مسكت أنا بيديها و شددت عليهما بقوة ...

    لحظة جحيم الذكرى ... و أعيننا تحدق ببعضها البعض بحدة ... من عيني يقدح الشرر الحارق ... و من عينها تنسكب الدموع المجروحة ... و في بؤبؤيها أرى عرضا للشريط المشؤوم اللعين ... و صورة لعمّار يبتسم ... و الحزام يتراقص ...

    " لكنت ُ قتلته "

    نطقت بهذه الجملة لا إراديا و أنا أحدق بها في نظرات ملؤها الشر ... و القهر ...

    لقد شعرت بأشياء تتمزق بداخلي ... و أشياء تعتصر ... و أشياء تتوجع و تصرخ ...

    كيف لي أن أتحمل موقفا كهذا ؟؟

    لو ظل سامر صامتا ، ربما بقيت شهورا واقفا عند نفس النقطة ، إلا أن صوته قطع الحبال المشدودة و أرخى العضلات المنقبضة

    " رغد ... "

    أطلقنا نظراتنا المقيدة ببعضها البعض و سمحنا لها بالانتقال إلى عيني سامر ...

    لا يخفى عليكم الذهول و الحيرة و الدهشة التي كانت تغلف وجه سامر الواقف ينظر إلينا ...

    قال :

    " رغد ... عزيزتي ... "

    و لم ينطق بعدها بجملة واضحة تفسر التعبيرات الغامضة المرسومة على وجهه الحائر ...
    رغد الآن بدأت تمسح دموعها و قد هدأت نوعا ما ...

    الآن ... تصل أمي و أختي ... و تستدير رغد إليهما ، و تنطق بمرارة :

    " قلت لك لا أستطيع ... لا أريد المجيء ... لا أستطيع ... لا تتركوني وحدي "

    و انخرطت في مزيد من البكاء المؤلم

    أمي أحاطتها بذراعيها و أخذت تتمتم بكلمات لم استطع استيعابها من هول ما أنا فيه ...

    ثم رأيتهن هن الثلاثة ، رغد و أمي و دانة ، يبتعدن عائدات من حيث أتين ...

    سامر ظل واقفا لثوان أخرى ، ثم هم باللحاق بهن ... و حانت منه التفاتة إلي ... فرآني و أنا أنهار على الرمال و أضغط بيدي على معدتي و أتأوه ألما ...

    لقد شعرت بأشياء تتمزق و تعصر في أحشائي ... و دوار داهمني دون إنذار مسبق ... و خور و وهن مفاجئ في بدني ... فهويت أرضا ...

    كنت أعرف أن قلبي ينزف من الداخل ، كما تنزف أنسجة جسدي كله من شدة الموقف و قسوته ... و شعرت بالدماء تجري بكل الاتجاهات في جسمي ... و أحسست بها تصعد من جوفي ... و تملأ فمي ... ثم تخرج و تنسكب على الرمال ملونة إياها هي و يدي المرتكزة عليها باللون الأحمر ...
    الآن ... تستطيع عيناي رؤيتها بوضوح ... تماما كما ترى النور ...

    دماء حقيقية خرجت من جوفي ممزوجة بعصارة معدتي المتلوية ألما ...

    " وليد ! "

    رفعت رأسي ، فإذا بي أرى سامر ينظر إلى موضع الدماء بذعر ...

    " ما هذا ؟؟ "

    ما هذا ؟ أظن أنها دماء ! و هي المرة الأولى التي تخرج فيها دمائي من جوفي ... و أنا أشعر بألم حاد جدا في معدتي ...

    ما هذا ؟

    أظن أن هذا عرضٌ لمرض ٍ ما ...

    بعد فترة ... كنا نجلس قرب موقد الجمر ، نستنشق الأدخنة المتصاعدة من المشويات ... و نتلذذ برائحتها الشهية ...

    كان والدي يقلب الأسياخ و يهف الجمر ... و كلما نضج اللحم في أحد الأسياخ دفعه إلى واحد منا ، فيلتهمه بشهية كبيرة ...

    و الآن جاء دوري ...

    " تفضل يا وليد "

    كنت أود مشاركتهم هذه الوجبة اللذيذة التي لم أذق لها مثيلا منذ سنين ... لكن الآلام الحادة في معدتي حالت دون إقبالي على الطعام ...

    " شكرا أبتاه ... لا أستطيع التهامها فمعدتي مضطربة جدا "

    قال سامر :

    " لقد تقيأ دما قبل قليل "

    الجميع ينظر إلى الآن بقلق ...

    ابتسمت و قلت :

    " ربما أكلت شيئا لم تتقبله ! لا تكترثوا "

    أمي قالت بقلق :

    " بني ... عساه خيرا ؟؟ "

    " لا تقلقي أماه ... ستهدأ بالصيام لبعض الوقت "

    ثم حاولت تغيير مجرى الحديث ...

    أبي مد سيخ اللحم المشوي نحو الشخص التالي قائلا :

    " نصيبك يا رغد "

    رغد كانت تجلس على مؤخرة البساط ، بعيدة عن موقد الجمر الذي نجتمع قربه ...

    رغد نهضت ، و أقبلت نحونا و مدت يدها و أخذت السيخ ، ثم همت بالعودة إلى المؤخرة ...

    نهضت أنا و قلت :

    " تفضلي هنا ... أنا سأتمشى قليلا "

    و ابتعدت كي أدع لها المجال لتجلس مكاني ، قرب الجميع ... و تستمتع معهم بوجبة الشواء الشهية ...

    ذهبت أولا نحو سيارة أخي ، و استخرجت علبة السجائر التي كنت أضعها في جيب بنطالي الذي استبدلته بملابس السباحة ... ثم انطلقت إلى البحر ... و جلست على الرمال ... أدخن بشرود

    صوت أبي الجهور كان يصلني خافتا ضاحكا ... إذن فالجميع يستمتعون بوقتهم ... كم أتمنى لو أعود للحياة الدائمة معهم ... ليتني أستطيع ذلك ...

    ليتني أستطيع رمي الماضي في قلب البحر ... و نسيانه ...

    بعد قرابة النصف ساعة جاءتني دانة

    ابتسمت عند رؤيتي لها ، فابتسمت هي الأخرى إلا أنها سرعان ما حملقت بي بتعجب ...

    " أنت تدخّن ؟؟ "

    مرّغت السيجارة التي كانت في يدي في الرمل المبلل ، إلى جوار أختها السابقة ... و ابتسمت ابتسامة واهنة تنم عن الاستسلام و القنوط ...

    " عادة سيئة ... لا خلاص منها ! "

    دانه جلست إلى جانبي و أخذت تراقب الأمواج المتلاطمة ... ثم قالت :

    " لم أكن أعلم بذلك ! لو كان نوّار يدخن لرفضت الارتباط به ! لا أطيق رائحة هذه المحروقة السامة ! "

    قلت ببعض الخجل :

    " معذرة "

    ثم أضافت مداعبة :

    " و على فكرة ... فإن جميع الفتيات مثلي أيضا ! و إن استمررتم في التدخين فسوف تسببون أزمة عزّاب و عوانس ! "

    أطلقتُ ضحكة عفوية على تعليقها خرجت من أعماق صدري ممزوجة ببقايا الدخان!

    قلتُ بعد ذلك :

    " إذن ... هل استعديتما للزفاف ؟؟ "

    بشيء من الخجل قالت :

    " تقريبا ... إنه يريد أن نتزوج بعد عودة والديّ من الحج مباشرة ! أبي يود تأجيل ذلك شهرين أو ثلاثة ... أما والدتي فتراه موعدا مناسبا جدا ، و تريد أن يتزوج سامر و رغد معنا دفعة واحدة ! "

    و هذا خبر ليس فقط يحبس الأنفاس في صدري و يعصر معدتي ، بل و يستل روحي من جسدي ... و لن أعجب إن رأيتها تنسكب على الرمال أمامي كما انسكبت دمائي قبل قليل !

    في هذه اللحظة أقبل سامر و رغد ... لينضموا إلينا

    قال سامر :

    " هل لنا بالانضمام إليكما ؟ تركنا الوالدين يشويان السمك ! "

    قالت دانة ضاحكة :

    " أوه أمي ! من سيلتهم المزيد ؟ أخبرتها ألا تحضر السمك و لكنها مولعة به كثيرا ! "

    و استدارت نحوي :

    " وليد كيف معدتك الآن ؟ ألا تحب أن تتناول بعض السمك المشوي ؟؟ "

    " كلا ، لا طاقة لي بالطعام هذه الليلة "

    و جلس سامر إلى جانبي الآخر ، و رغد إلى جانب دانة ...

    قال :

    " فيم كنتما تتحدثان ؟؟ "

    قالت دانة :

    " فيكما أنت و رغد ! كنت أخبر وليد أنكما حتى الآن لم تتخذا قرارا نهائياحاسما بشأن موعد الزفاف ! "

    سامر ابتسم و قال :

    " أنا جاهر و في انتظار أوامر العروس ! "

    العروس هي رغد ! و رغد هي صغيرتي الحبيبة ... التي كنت أحلم بالزواج منها ذات يوم ... ثم فقدتها للأبد ... فهل لكم أن تتخيلوا حالي هذه اللحظة ؟؟

    قالت دانة :

    " هيا يا رغد ! قولي نعم و دعينا نحتفل سوية ! "

    ثم غيرت النبرة و قالت مداعبة :

    " و لكن كوني واثقة من أنني سأكون الأجمل بالتأكيد ! "

    أذناي طارتا نحوها ، حتى كادتا تلتصقان بشفتيها أو حتى تخترقان أفكارها لأعلم ما ستقوله قبل أن تقوله ... تكلمي رغد ؟؟

    رغد ظلت صامتة ... و أنا أذناي تترقبان بصبر نافذ ... هيا يا رغد قولي أي شيء ... ارمني بسهام الموت واحدا بعد الآخر ...

    اطعنيني بخناجر الغدر و حطمي قفصي الصدري و مزقي الخافق الذي ما فتئ يحبك مذ ضمك إليه طفلة يتيمة وحيدة ... توهم أنها خلقت من أجله فجاءت قذائفك تدمر قلعة الوهم التي بنيتها و عشت بداخلها 15 عاما ... أو يزيد ...

    و أقسم ... أقسم أنك لو تزوجت مع شقيقتي في نفس الليلة ، فإني سأتخلى عنها و أخذلها و أدفن نفسي بعمق آلاف الأميال تحت الأرض ، لئلا أحضر أو أشارك أو أبارك ليلة تزفين فيها إلى غيري ... مهما كان ...

    بعد كل هذه المشاعر التي تصارعت في داخلي في ارتقاب كلمتها التالية ... و أذاني تصغيان باهتمام و تركيز شديدين أكاد معهما أسمع دبيب النمل ...

    بعد كل هذا ... جاءني السهم المباغت التالي :

    " وليد ... ما رأيك ؟؟ "

    أنى لي أن أصف ما أود وصفه و أنا بحال كهذه ؟؟

    تسألينني أنا عن رأيي ؟؟ رأيي في ماذا ؟؟

    في أن تتزوجي شقيقي اليوم أو غدا أو بعد قرن ؟؟

    في أن تذبحيني اليوم أو غدا ... أو بعد قرن ؟؟

    أتشهد أيها البحر ؟؟

    ألا يا ليتك تبتلعني هذه اللحظة ... فأمواجك العاتية ستكون أكثر لطفا و رحمة بحال رجل تسأله حبيبة قلبه : ما رأيك بموعد زفافي !

    تحركت يداي إلى علبة السجائر الموضوعة على الأريكة الجالسة خلفي ، و تناولت واحدة و أشعلتها في محاولة مستميتة للفرار من جملة رغد ، التي كنت قبل ثواني أتوق لسماعها و أرسل أذنيّ نحو لسانها لالتقاط الجملة بسرعة فور خروجها ...

    بدت اللحظة التالية كالساعة بل كالقرن في طولها ..

    سحبت نفسا عابقا بالدخان المنبعث من السيجارة المضغوطة بين شفتي ...

    و أطلقت زفرة قوية ... حسبت معها أن روحي قد انطلقت ، و الدخان قد لوث الكرة الأرضية بكاملها ...

    قلت ... بعدما عثر لساني على بضع كلمات مرمية على جانبية :

    " الأمر عائد إليكما "

    و وقفت ...

    و قلت :

    " معذرة ... سأدخن في مكان آخر "

    و انصرفت عنهم ...

    سرت ُ مبتعدا ، و وقفت موليا إياهم ظهري ... انفث السموم من و إلى صدري و أقاوم آلام قلبي و معدتي ... و أحترق .

    بعد فترة ، انتهت رحلتنا و آن أوان العودة إلى البيت ...

    لم أكن أريد أن أركب سيارة سامر ... فقربه و قربها مني يعني مزيدا من الألم و الاحتراق ، لكنني حين رأيت دانة تركب سيارة والدي ، و رغد تقف عند سيارة سامر ... توجهت تلقائيا و جلست على المقعد الأمامي ، لأمنعها من الجلوس عليه !

    مشوار العودة كان طويلا مملا ... فقد التزمنا الصمت ... و رغد نامت !

    " وصلنا عزيزتي ! "

    قال سامر ذلك و هو يلتفت إلى الوراء ، ليوقظ رغد ...

    كنا قد وصلنا قبل الآخرين ...

    فتحت أنا الباب و هبطت من السيارة ، و رأيت رغد تستفيق ...

    ذهبت إلى مؤخرة السيارة أفرغ حقيبتها من حاجيات الرحلة ، ثم أحملها إلى داخل المنزل ...

    و أقبل سامر يساعدني ، و حين وصلت إلى الباب ، جاءت رغد بمفتاح سامر و فتحته لي ... و انطلقت مسرعة نحو الباب الداخلي تفتحه على مصراعيه لأدخل بما تحمل يداي ، و أتجه نحو المطبخ ...

    وضعت الأشياء في المطبخ و استدرت راغبا في العودة لجلب البقية ... رغد واقفة عند باب المطبخ تراقبني ...

    حين مررت منها ...

    " وليد "

    وقفت ... و عاودني الشعور بالألم في معدتي فجأة ... يكفي أن أسمعها تنطق باسمي حتى تتهيج كل أوجاعي ...

    لم أرد ، و لكنني توقفت عن السير منتظرا سماع ما تود قوله ...

    " وليد "

    عادت تناديني ... تعصرني ...

    " نعم ؟؟ "

    قالت :

    " ألم يعد يهمك أمري ؟؟ "

    فوجئت بسؤالها هذا فالتفت إليها مندهشا ...

    كانت عيناها حمراوين ربما من أثر النوم ... و لكن القلق باد عليهما ...

    " لم تقولين ذلك !؟ "

    قالت :

    " لم لم تبد ِ رأيك بشأن زواجي ؟؟ "

    تصاعدت الدماء المحترقة إلى شرايين وجهي و ربما إلى حلقي لكنني ابتلعتها عنوة

    قلت :

    " إنه أمر يخصكما وحدكما ... و لا شأن لي به "

    رغد هزت رأسها اعتراضا ثم قالت :

    " لكن وليد ... أنا ... "

    و لم تتم الجملة ، إذ أن أخي سامر أقبل يحمل بعض الأغراض ، فسرت أنا خارجا لجلب المتبقي منها ...

    فيما بعد ، و سامر يحمل بطانية و وسادة قاصدا الذهاب للنوم في غرفة الضيوف و تركي أنام في غرفته ، كما أصر ... و قبل أن يخرج من الغرفة توقف و قال :

    " وليد ... هل لي بسؤال ؟ "

    " تفضل ؟؟ "

    تأملني لحظة ثم قال :

    "وليد ... لماذا ... قتلت عمّار ؟؟ "

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    ذهبت مباشرة إلى غرفتي ، قبل أن تحضر أمي و دانه ثم تطلبان مني مساعدتهما في الغسل و التنظيف ...

    فأعمال المنزل هي آخر آخر شيء أفكر بالقيام به في هذه الساعة ، و هذه الحال

    يكاد قلبي ينفطر أسى ... لحقيقة مرة أتجرعها رغما عني

    وليد لم يعد يهتم لأمري ... و لم أعد أعني له ما كنت و أنا طفلة صغيرة ...

    ربما ظن الجميع أنني أويت لفراشي و نمت ... فعادتي أن أنام مبكرة ، إلا أنني قضيت ساعات طويلة في التفكير و الحزن ... و الألم و الدموع أيضا

    لماذا يعاملني وليد بكل هذا الجفاء و يبتعد كلما اقتربت ؟؟

    و دليل آخر ... تكرر صباح اليوم التالي ...

    فقد نهضت متأخرة ... و وجدت الجميع مجتمعين في غرفة المعيشة يتناقشون حول أمور شتى ...

    دخلت الغرفة فتوقف الجميع عن الحديث ، و ألقيت تحية الصباح ... ثم خطوت باتجاه أحد المقاعد راغبة في مشاركتهم أحاديثهم ...

    و الذي حدث هو أن وليد نهض ، و هم بالمغادرة ...

    شعرت ُ بألم حاد في صدري ...

    قلت :

    " كلا ... ابق حيث أنت ... أنا عائدة إلى غرفتي ... اعتذر على إزعاجكم "

    و استدرت بسرعة مماثلة للسرعة التي بها انهمرت دموعي ...
    و غادرت المكان ...

    ذهبت إلى غرفتي و سبحت في بحر دموعي ...

    وافتني أمي بعد قليل و رأتني على هذه الحال

    " رغد يا عزيزتي ... لا تأخذي الأمر بهذه الحساسية ! إنه لا يقصد شيئا ... لكنه الحياء ! "

    انفجرت و تفوهت بجمل لم أفكر فيها إلا بعد خروجها ، من شدة تأثري ...

    قلت :

    " إذا كان وجودي في هذا البيت يزعجه فأنا سأرحل إلى بيت خالتي ... ليأخذ حريته التامة في التجول حيثما يريد "

    أمي صدمت بما قلت ، و حملقت بي باندهاش ...

    " رغد ! كيف تقولين ذلك ؟؟ "

    " إنه يتعمد تجاهلي و تحاشي ّ ... كأنني فتاة غريبة و موبوءة ... ألهذا الحد لم يعد يطيقني ؟ ألم أعد أعني له شيئا ؟؟ ألم يكن يعني لي كل شيء في الماضي ؟؟ "

    و سكت ّ ُ ، التقط بعض الأنفاس و أمسح الدموع بكومة من المناديل متكدسة في يدي ... كنت أبكي بانفعال ...

    والدتي قالت فجأة :

    " و الآن ؟؟ "

    نقلت بصري من كومة المناديل المبللة في يدي ، إلى عيني أمي و نظراتها المقلقة ...

    و الآن ؟؟

    أعتقد أن أمي كانت تلمح إلى شيء ، لم تجرؤ على التصريح به ... و إن قرأت بعض معالمه في عينيها ...

    إنها نفس النظرة التي رمقتني بها تلك الليلة ، ليلة رحيل وليد السابق ، قبل أذان الفجر ...

    و خفت ... من الحقيقة التي لا أريد أن أكتشفها أو يكتشفها أي كان ... حقيقة الشعور بالحرارة التي تتأجج داخلي كلما كان وليد على مقربة ..

    في ذات اليوم ، أصررت على الذهاب إلى بيت خالتي و تناول الغذاء مع عائلتها

    كنت أريد أن أبتعد مسافة تسمح لي بالهدوء ، فنبضاتي لا يمكن أن تهدأ و وليد في مكان قريب ...

    هناك فوجئت بأمر آخر !

    خالتي انفردت بي لبعض الوقت في إحدى الغرف و بدون أية مقدمات سألتني :

    " هل صحيح أنك ... أنك لا ترغبين في الزواج من ابن عمك سامر ؟؟ "

    دهشت و هالني ما سمعت ... قلت بذهول :

    " أنا ؟ من ... قال ذلك ؟؟ "

    خالتي كانت تحدثني بجدية و قلق واضحين ...

    قالت :

    " لقد سمعَتْك سارة تخبرين نهلة بهذا ذات مرة ... و ذكرت الأمر على مسمع مني و من حسام ... و من حينها و هو و أنا معه في جنون ! "

    لم أع ِ الأمر بالسرعة المفروضة ، بل بقيت أحملق بدهشة و بلاهة في عيني خالتي ... و ربما هي فسرت صمتي موافقة على ما تقول ...

    " رغد ... أخبريني بكل شيء ... فإن لم تكوني ترغبين في الزواج من ذلك المشوه فثقي بأنني لن أسمح لهذا الزواج بأن يتم أبدا "

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~
    فيما بعد ، كنت أجلس مع نهلة في غرفتها دون وجود سارة ـ لوحدنا أخيرا !

    قلت :

    " و تقولين أنها لا تعي شيئا ؟ إنها أخطر مما ظننت ! يا لجرأتها ... كيف تخبر خالتي و حسام بأمر كهذا !؟ هل أنا قلت ذلك ؟؟ "

    نهلة تنهدت و قالت :

    " هذا ما ترجمه دماغها الصغير ! لقد قلت أنك لا تريدين الزواج الآن ! أخضعتني أمي لاستجواب مكثف ، و أخي حقق معي مطولا بسبب هذا الأمر ! "

    " يا إلهي ! "

    ابتسمت نهلة ابتسامة سخرية ماكرة ، ثم وقفت فجأة و نفخت صدرها هواء ً ، و رفعت كتفيها عاليا ، و قطبت حاجبيها و عبست بشكل غريب مرعب و قالت بنبرة خشنة ـ تقلد حسام :

    " أمي يجب أن تتأكدي من الأمر لأنني إن اكتشفت أنهم أرغموها على هذا الزواج أو استغلوا كونها يتيمة و صغيرة و ضعيفة ، فأقسم بأنني سأشوه النصف الآخر من وجه ذلك اللئيم الماكر "

    قفزت أنا واقفة بغضب ...

    " نهلة ! "

    ألا أنها تابعت تمثيل المشهد :

    " قلت لك يا أمي ... تدخلي و امنعي هذا الارتباط منذ البداية ... أترين أن فتاة في الرابعة عشر هي مدركة بالقدر الكافي لتحديد مصيرها في أمر كهذا ؟؟ كيف تجرءوا على فعل هذا كيف ؟؟ كيف ؟؟ ويل لذاك المشوه مني "

    " يكفي نهلة ... "

    قلت ُ بعصبية ، فعادت نهلة إلى شخصيتها الطبيعية ، و قالت :

    " هذا ما كان يحصل كل يوم ! تعرفين أن حسام يبغض خطيبك من ذلك الحين ! "

    قلت :

    " لا أقبل أن ينعته أحد بالمشوه ... و تشوه وجهه ليس شيئا يستحق أن يعير عليه"

    نهلة جلست على السرير ، و قالت :

    " ليس بسبب التشوه هو ناقم منه ! تعرفين ! إنه بسببك أنت ! لازال مولعا بك ! "

    انزعجت من هذا ... فقد كنت أظن أن الأمر قد انتهى ... لكن ...

    " أرجوك نهلة لنغير الموضوع ... لقد أكدتُ لوالدتك أن سارة فهمت خطأ ... و إن بدا عليها عدم الاقتناع ... لكن لندع الأمر ينتهي الآن ... "

    و أتيت و جلست قربها ... ثم اضطجعتُ مسترخية على السرير ...

    " إذن ... ماذا قررت ؟ مع دانة أم بعدها ؟؟ "

    تنهدت بانزعاج من الموضوع برمته ... قلت :

    " لم أقرر يا نهلة ... لماذا يطاردني الجميع بهذا السؤال ؟؟ "

    نهلة أمسكت بيدي اليمنى و أخذت تحرك خاتم الخطوبة حول إصبعي البنصر و تقول :

    " لأن هذا الخاتم سئم البقاء حول هذا الإصبع ! إنها أربع سنوات يا رغد ! "

    قلت :

    " لكنني لا أزال صغيرة ! ألا ترين ذلك ؟؟ أريد أن أتخرج من الجامعة أولا.. و أريد أن ... تتغير علاقتي بسامر فأنا لا أشعر بشيء مميز تجاهه "

    كنت أنظر إلى السقف ، و لكن رأس ابنة خالتي ظهر أمامي فجأة ... و أجبرني على النظر إلى عينيها ...

    قالت :

    " تقصدين لا تحبينه ... "

    و كان تقريرا إجباريا لا سؤالا ...

    التفت يمينا فأمسكت هي بوجهي و أعادته حيث كان و أجبرتني على النظر إلى عينيها الناطقتين بالحق ...

    " لا تهربي رغد ! أنت ِ لا تحبينه ! "

    استسلمت ... و غضضت بصري ... أتحاشى تلك النظرة الثاقبة الفاهمة ...

    نهلة هي أكثر شخص يفهمني و أبوح إليه بأسراري و كل ما يختلج مشاعري ...

    نهلة مسحت على رأسي بعطف و قالت :

    " رغد ... لا تتزوجيه إذا لم تكوني ترغبين في ذلك ... إنه كالأخ بالنسبة إليك ! أبقيه أخا فأنت بحاجة إليه كأخ لا كزوج ! "

    " نهلة ! ... "

    و ضربت أنفي بإصبعها ضربة خفيفة و هي تقول :

    " أليس كذلك ؟؟ "

    عدت أحدق بها ... في حيرة من أمري ...

    قلت :

    " من أتزوج إذن ؟؟ "

    هي ابتسمت و قالت بمكر :

    " أخي حسام ! "

    رفعت رأسي و صدمت جبينها بجبيني عمدا ثم جلست و أخذت هي تمثل دور المتألمة !

    " آه ... رأسي ! كسر في الجمجمة ! انجدوني ! "

    قلت بنفاذ صبر :

    " قلت لك ِ ! لا تتوبين !"

    قالت و قد بدت عليها الجدية الآن :

    " صدقيني يا رغد ... إنه مهووس بك ! "

    قلت :

    " و الآخر كذلك ! لم تظنينه يلح علي بالزواج ؟ إما أن نتزوج أو يفتش عن وظيفة أخرى تبقيه قربي ! "

    قالت ، تنظر إلي بعين شبه مغمضة و حاجبيها مرفوعين أقصاهما :

    " من مثلك ! عاشقان في وقت واحد ! يا للحظ ! كم أنا مسكينة ! "

    " قلت لك لا تتوبين ! أوه نهلة ! لسوف أطلب من خالتي التفتيش عن عريس لك حتى أتخلص منك كما تخلصت من دانة ! "

    ضحكت نهلة و قالت :

    " سأتزوج من شقيق زوجك حتى آتي للعيش معك ! لن تتخلصي مني ! "

    و استمرت في الضحك ...

    الجملة أثارتني كثيرا ... غضبت و قلت بانفعال لا يتناسب و دعابتها العفوية :

    " قلت لك دعي وليد و شأنه ... لا تأتي بذكر هذا ثانية أ فهمت ِ ؟؟ "

    نهلة ابتلعت ضحكتها و نظرت إلي بشيء من التعجب و الحيرة ...

    " ما الأمر رغد ! كنت أمزح ... لم انفعلت هكذا ؟؟ "

    خجلت من نفسي فأنا لا أعرف لم انفعلت بهذا الشكل بينما هي تمزح ليس إلا ...

    بل ، و حتى لو كان كلامها غير مزاح ... لم علي الانفعال هكذا ؟؟

    اعتقد أن وجهي تورد ... فنظرات نهلة توحي بأنها تلحظ شيئا غريبا على وجهي ...

    التفت نحو اليسار أخفي شيئا مما قد يكون ظاهرا على وجهي دون أن أملك القدرة على مواراته لكن توتري كان أوضح و أفصح من أن يغيب عن ذهن نهلة ... التي تعرفني عز المعرفة ...

    " رغد ... ماذا دهاك ؟؟ "

    " أنا ؟ لا شيء ... لا شيء "

    و الآن استدرت كليا ، و أوليتها ظهري ... بل و سرت نحو المجلة الموضوعة على المنضدة قرب سرير نهلة ... متظاهرة بالبرود ...

    قالت تحاصرني :

    " وليد غائب الآن ؟؟ "

    قلت :

    " لا ... عاد إلينا منذ يوم أمس الأول ... "

    و أمسكت بالمجلة ، و جلست على السرير ، و أخذت أقلب صفحاتها و ألْهي نفسي بالتفرج على الأزياء و المساحيق و العطور ... و حتى الأخبار السياسية و الرياضية ... و صور اللاعبين !

    " أوف ! "

    أغلقت المجلة بسرعة ، بعد أن وقعت عيناي على صورة نوّار يبتسم !

    يا إلهي ! كم أنفر من هذا الشخص ! رغم أنه محبوب من قبل الكثيرين و الكثيرات !

    " ماذا دهاك ؟؟ "

    " إنه ذلك المغرور ! من أمنيات حياتي ... أن أتصفح مجلة ذات يوم ثم لا أجد صورة له فيها ! يا له من شخص بغيض ! أتساءل ما الذي يجذب هؤلاء البشر إليه ؟؟ دانة المسكينة ! "

    " و لم مسكينة ..؟ ألست تقولين أنها تحبه ؟؟ "

    " كثيرا ! إنه سيعود الليلة من رحلته و ستقيم الدنيا و تقعدها من أجله ! لابد أنها الآن تعد أطباق العشاء و الكعك من أجله ! الحمد لله إنني لست معها في المطبخ هذه الساعة ! "

    و ضحكنا بمرح ...

    ثم قالت :

    " و خطيبك سيرحل اليوم ؟ "

    " نعم ... خلال ساعتين "

    " إذا ... ألا يجدر بك أن تكوني معه الآن ؟؟ "

    وقفت ... و سرت في الغرفة بضع خطوات حائرة ... فقد خرجت من منزلي منذ الصباح ، و هاهي الساعة تتجاوز الثالثة ظهرا ... و لابد أن سامر ينتظر عودتي الآن ...

    قلت :

    " إنه مع وليد ... الكل محتفٍ بعودته و مشغول به ! من سيذكرني هذه اللحظة ؟؟ "

    قالت :

    " هل سيرحل وليد عاجلا ؟ "

    " لا .. على ما أظن و أتمنى "

    " تتمنين ؟؟ "


    وقعت ُ في شركي ! قلت محاولة التصحيح و التعديل :

    " أقصد نتمنى جميعا ... فلا أحد يود رحيله و والداي سيحزنان كثيرا جدا كالمرة السابقة و التي سبقتها إن رحل ... أتمنى أن يستقر هنا و يريح الجميع "

    ربما كان الحمرة تعلو وجهي هذه المرة أيضا ...

    و الآن ... أي شيء أشغل يدي به تغطية على اضطرابي هذا ؟ ألا يوجد في الغرفة مجلة أخرى ...؟؟

    وقع بصري على مجموعة زجاجات العطر أمام مرآة الغرفة ، فذهبت أليها أشمها واحدة تلو الأخرى ...

    أقبلت نهلة و وقفت إلى جانبي ...

    قالت :

    " ربما لديه ارتباطات هامة هناك ! عمل ... منزل ... عائلة ... زوجة ! "


    استدرت إليها و قد اكفهر وجهي ... و قلت بسرعة :

    " إنه غير متزوج "

    " أحقا ؟؟ "

    كانت نظراتها تشكيكية مخيفة ! قلت :

    " طبعا ! و هل تظنين أنه سيتزوج دون إبلاغنا ! مستحيل ! ما يبقيه هناك هو العمل ... ليته يجد فرصة للعمل هنا و يستقر معنا ... "

    قالت :

    " لتضمنوا عدم رحيله ... زوجوه ! "

    و أضافت و هي تبتسم بمكر :

    " أنتم الثلاثة في ليلة واحدة ! و نتخلص منكم ! "

    رفعتُ إحدى زجاجات العطر أمام وجهها بغتة و تأهبتُ لرش العطرعلى عينيها !

    " أوه لا لا رغد كنت أمزح ! "

    و فرّت و صرت أطاردها حتى جلسنا على السرير نضحك بشدة !

    بعد قليل ... قلت :

    " علي العودة للبيت ! سامر ينتظر اتصالي ! "

    و قمت ، متوجهة إلى الهاتف الموضوع على مكتب نهلة ...

    و اتصلت بالمنزل ... و إذا بالدماء تتصاعد من جديد و بغزارة إلى وجهي ... و نهلة تقترب مني و تراقبني ...

    " وليد ؟ إنها أنا "

    " ( مرحبا ... رغد ) "

    " إمم .. أود التحدث إلى سامر "

    " ( سامر ... أظنه يستحم الآن ! هل تريدين شيئا ؟ ) "

    " أأأ ... أريد أن يأتي إلي ّ ... هل لا أبلغته بأنني أنتظره ؟ "

    " ( حسنا ) "

    " شكرا "

    " العفو ... صغيرتي "



    و أغلقت السماعة بصعوبة ... فقد كانت يدي ترتجف !

    و بدأت أتنفس بعمق و أشعر بالحر ... و أيضا ... أتصبب عرقا !

    نهلة وقفت أمامي مباشرة تشاهد الاضطراب الذي اعتراني فجأة ... بحيرة و فضول

    " رغد ... "

    " نعم ؟؟ "

    " لماذا تنفعلين كلما جيء بذكر وليد !؟ "

    " أنا ؟؟ من قال ذلك !؟ "

    و مدت نهلة يدها و تحسست جبيني براحتها ...

    " إنك تغلين ! وجهك أحمر ناضج و جبينك مبلل بالعرق ! "

    أربكتني كثيرا كلمات نهلة ... و حاولت التملص من نظراتها لكنها حاصرتني ...

    ابتعدت عنها و ذهبت إلى حيث أضع عباءتي لأرتديها استعدادا للمغادرة !

    " و لكن خطيبك لم يحضر بعد ! "

    " سأستعد ... "

    كنت أريد أن أنشغل بشيء بعيدا عن نظرات نهلة التي تخترق أعماقي ...

    كنت أضبط حجابي مولية إياها ظهري ...

    قالت :

    " خطيبك شاب جيد يستحق فتاة رائعة مثلك ! "

    تابعت ترتيب حجابي دون أن أعير جملتها هذه اهتماما ...

    قالت :

    " و أخي شاب جيد و يستحق فتاة رائعة مثلك ! "

    و لم ألتفت إليها ! حتى لا أدع لها مجالا لفتح الموضوع مجددا !

    و تابعت ارتداء عباءتي ...

    " و وليد شاب جيد و يستحق فتاة رائعة مثلي ! "

    استدرت فجأة نحو نهلة ... باضطراب و توتر و انزعاج جلي شديد ! ...

    اصطدمت نظراتنا الحادة العميقة ... و بقينا لبضع ثوان نحملق في بعضنا البعض ...

    نهلة أوقعت بي ...

    إنها خبيثة !

    كنظراتها التي ترشقني بها الآن ...

    أتت نحوي ... و رفعت يدها و أمسكت بعباءتي و سحبتها ...

    " رغد يا ابنة خالتي العزيزة ... لن تخرجي من هنا حتى أعرف ما حكايتك مع وليد ! "

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~
    بعد عشر دقائق كنت أجلس في السيارة إلى جانب سامر ...

    " هل تحبين أن نتجول قليلا قبل العودة ؟؟ "

    " كما تشاء "

    قضينا قرابة الساعة نجول في شوارع المدينة ... و نتبادل الأحاديث ...

    سامر ... و الذي لم يجد الفرصة السانحة قبل الآن لفتح الموضوع ، سرعان ما تطرق إليه ...

    " الوقت يمضي يا رغد ... لقد بدأت أضيق ذرعا بالوحدة هناك ... لا أريد أن أخسر وظيفة ممتازة كهذه ، لكنني لا أريد أن أبقى بعيدا أطول من ذلك ... "

    حرت و لم أجد تعقيبا ملائما ... و ربما صمتي أحبط سامر ... ففقد حماسه للمتابعة بعد بضع جمل ...

    حينما وصلنا إلى المنزل ، وجدنا والدي ّ و وليد يجلسون في الفناء الخارجي ، حول الطاولة الصغيرة القريبة من الشجرة الطويلة ، بجانب الباب الداخلي ...

    كان الجو جميلا ... و العصافير تغرد بحماس على أغصان الشجرة ... و الدخان يتصاعد من أقداح الشاي الموزعة على الطاولة ...

    سامر كان يمسك بيدي ، ثم أطلقها و سار نحوهم بسرعة ...

    " شاي أم وليد ! أين نصيبي ؟؟ "

    و انضم إليهم ...

    ألقيت نظرة على وليد فرأيته ينظر نحوي و لكن سرعان ما بدد نظراته نحو الفراغ ... لم يكن يريد النظر إلي ...

    علي أن أنصرف قبل أن ينهض مغادرا ظانا بأنني سأنضم إليهم ...

    توجهت نحو الباب و دخلت إلى الداخل ...

    كنت بالفعل أتمنى أن أشاركهم ! و لكن لو فعلت ... فبالتأكيد سيغادر وليد ...

    ما أن دخلت حتى وصلتني رائحة الكعك الشهية ! و سرت إلى المطبخ !

    " دانه ! رائحة كعكتك زكية جدا ! دعيني أتذوقها ! "

    " عدت ِ أخيرا ! لا يا عزيزتي ! هذه لنوّار و نوّار فقط ! "

    " و هل سيأكل الكعكة كاملة ! مسكين ! كيف سيلعب إذا انفجرت معدته ؟ "

    نظرت إلي ّ بانزعاج و صرخت :

    " رغد ... انصرفي فورا ! "

    ضحكت و خرجت ، متوجهة إلى غرفتي حيث وضعت حقيبتي و عباءتي ، و وقفت أمام المرآة أتأمل وجهي ...

    لم يكن الإفلات من محاصرة نهلة سهلا ... أي حكاية لي مع وليد ؟؟؟ ما أكثر الحكايات !

    أريد أن أنضم إليهم !

    على الأقل ... سأراقبهم من النافذة !

    و بسرعة خرجت من غرفتي قاصدة الذهاب إلى النافذة المشرفة على الفناء الأمامي ... حيث هم يجلسون ...

    من تتوقعون صادفت في طريقي ؟؟

    نعم وليد !

    دخل للتو ... و حينما رآني توقف برهة ... ثم سار مغيرا طريقه ...

    ربما كان يود القدوم من ناحيتي إلا أنه غير مساره و انعطف ناحية المطبخ ...

    ألهذا الحد لا يريد أن يراني أو حتى يمر من ممر أقف أنا فيه ؟؟

    " وليد "

    ناديته بألم ... إذ أن تصرفه هذا جرحني ...

    لم يلتف إلي ، و رد ببرود :

    " نعم ؟ "

    تحشرج صوتي في حنجرتي ... و بصعوبة نطقت ، فجاء صوتي خفيفا ضعيفا لم أتوقع أنه سمعه ... لكنه سمعه !

    " أريد أن أتحدث إليك "

    " خيرا ؟ "

    كل هذا و هو مدير ظهره إلي ... أمر ضايقني كثيرا ...

    " وليد ... أنا أحدثك ! أنظر نحوي ! "

    استدار وليد بتردد ، و نظر إلى عيني نظرة سريعة ثم طارت أنظاره بعيدا عني ...

    كم آلمني ذلك ...

    قلت :

    " لماذا لا تود التحدث معي ؟؟ "

    بدا مضطربا ثم قال :

    " تفضلي ... قولي ما عندك "

    و تنهد بضيق ...

    قلت بمرارة :

    " إذا كنت لا تود الاستماع إلي ... و لم يعد يهمك أمري ... فلا داعي لقول شيء "

    وليد التزم الصمت ...

    ثم و بعد أن طال الصمت بنا ، استدار راغبا في الانصراف ...

    أنا جن جنوني من إهماله لي بهذا الشكل ... و أسرعت نحوه و قبضت على يده و قلت بحدة و مرارة :

    " انتظر ... "

    وليد سحب يده و استدار نحوي بغضب ... و رأيت النار تشتعل في عينيه ... كان مرعبا جدا ...

    الدموع تغلبت علي الجفون ... و تحررت من قيودها و شقت طريقها بإصرار و شموخ على الخدين ...

    وليد توتّر ... و تلفت يمنة و يسرة ... ثم قال :

    " لماذا تبكين الآن ؟؟ "

    قلت بعدما أغمضت عيني أعصر دموعها ... ثم فتحتهما :

    " لماذا لم تعد تهتم بي ؟ لماذا تتحاشاني ؟ لماذا تعاملني بهذه الطريقة القاسية و كأنني لا أعني لك شيئا ؟؟ "

    الرعب ... و الذعر و الهلع ... أمور أثارتها نظراته الحادة المخيفة التي رماني بها بقسوة ... قبل أن يضربني بكلماته التالية :

    " يا ابنة عمي ... لقد كبرت ِ و لم تعودي الطفلة المدللة التي كنتُ أرعاها ... أنت ِ الآن امرأة بالغة ... و على وشك الزواج ... لدي حدود معك ِ لا يجوز تخطيها ... و لديك سامر ... ليهتم بأمرك من الآن فصاعدا "

    و تركني ... و سار مبتعدا إلى الناحية التي كان يريد سلكها قبل ظهوري أمامه ...

    اختفى وليد ... و اختفت معه آمال واهية كانت تراودني ... وليد الذي تركني قبل تسع سنين ، لم يعد حتى الآن ..

    مسحت بقايا دموعي و آثارها ... و خرجت إلى حيث كان والدي ّ و سامر يجلسون حول الطاولة ...

    أقبلت نحوهم فوقف سامر مبتسما يزيح الكرسي المجاور له إلى الوراء ليفسح المجال لي للجلوس ...

    سامر ... كان دائما يعاملني بلطف و اهتمام بالغ ، و يسعى لإرضائي و إسعادي بشتى الوسائل ...

    اقتربت من سامر و نقلت بصري منه ، و إلى والديّ ، ثم إلى أكواب الشاي و الدخان الصاعد من بعضها ... ثم إلى الخاتم المطوق لإصبعي منذ سنين ... ثم إلى عيني سامر اللتين تراقباني بمحبة و اهتمام ... ثم قلت :

    " سامر ... لقد اقتنعت ... سنحتفل مع دانه "

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    الحلقة التاسعة عشرة

    مُساهمة  littledoctor في الثلاثاء 19 يوليو 2011 - 2:38


    الحلقةالتاسعةعشرة
    *****************


    كنت قد دخلت إلى داخل المنزل لإحضار سيجارة ...

    فكلما شعرت بالضيق ، عكفت على التدخين بشراهة ...
    و رؤية رغد و سامر يقبلان نحونا ... و أصابعهما متشابكة جعلت شعبي الهوائية تنقبض و تنسد ...

    سامر جلس معنا ، و ذهبت رغد إلى الداخل ...

    بعد قليل دخلت ُ قاصدا الذهاب إلى غرفة سامر و إحضار السجائر ، فرأيتها أمامي ...

    الغضب الذي كان يسد شعبي مع ذلك الهواء خرج فجأة باندفاع مصبوبا عليها ... فتحدثت معها بقسوة رافضا الإصغاء إلى ما كانت تود إخباري به ...

    الآن أنا في الغرفة أشعر بالندم ...

    لماذا أصبحت أعاملها بهذه الطريقة ؟؟

    أليست هذه هي رغد ... طفلتي الحبيبة المدللة ؟؟

    رغد ...

    أتسمعون ؟؟

    أتدركون ؟؟

    إنها رغد ! رغد !

    حملت سجائري و ذهبت في طريقي إلى الخارج ...

    عند عبوري الممر قرب المطبخ لمحت أختي دانه ، و كانت ترتدي مريلة خاصة بالمطبخ و توشك على المسير نحو الباب ...

    " وليد ! ... أوه سجائر ! "

    ثم مسكت أنفها بإصبعيها كمن يمنع رائحة كريهة من اقتحام أنفه !

    " لن أدخن هنا ! "

    قالت :

    " أنا أيضا ذاهبة لوداع سامر ! رغد الكسولة تركتني أعمل وحدي ! "

    و خرجنا سوية ...

    رغد كانت تجلس قرب سامر ... الذي يبدو على وجهه الانفعال و السرور !

    قالت دانة :


    " آسفة سامر سأودعك الآن و أعود للمطبخ ! "

    و وجهت كلامها إلى رغد :

    " فالكسالى يجلسون هنا ! و لكن بعد أن أتزوج ستقع على رؤوسهم أعمال المنزل رغما عنهم ! "

    سامر ضحك ، و كذلك والدي ... أما رغد فألقت نظرة لا مبالية على دانة ثم أخذت تشرب الشاي ...

    والدتي قالت :

    " بل على رأسي أنا ! فأنتما ستخرجان من هنا في ليلة واحدة ! "

    أنا صعقت ... و اكفهر وجهي ... و حملقت في رغد ... أما دانة فقالت :

    " ماذا ... أمي ؟؟ هل ...؟؟ "

    سامر قال :

    " قررنا أخيرا !! "

    دانة سارت نحو رغد ببهجة فوقفت الأخرى و تعانقتا ...

    " أيتها الخبيثة ! هل تريدين سرقة الأضواء مني ؟؟ "

    و ضحكتا بمرح ...

    ثم عانقت دانة سامر و تمتمت ببعض الكلمات ، ثم ودعته و عادت إلى الداخل ...


    " يجب أن أغادر الآن ! "

    قال ذلك سامر ... فوقف والداي ، فاحتضنهما و قبل رأسيهما ...

    ثم أمسك بيدي رغد ، و ضمها إليه في عناق طويل ...

    كل هذا و أنا واقف كالشجرة التي إلى جانبي ... أشعر بالصواعق تضربني من كل جانب ، و أعجز عن فعل شيء ...

    و الآن ... يقبل الخائن نحوي أنا ... يريد توديعي ...

    ابتعد يا سامر فأنا أشعر برغبة جنونية في ضربك ! و لا أعرف أي قوة امتلكت لحظتها و منعت يدي من أن تحطم وجهه ...

    صافحته و عانقته عناقا باردا خال من أية مشاعر ... و تركته يذهب ...

    بعدما خرج ، تجاوزت الطاولة و من يجلس حولها ، و وقفت بعيدا لئلا أزعج أحدا بدخان سجائري ...

    كنت أسمع أصوات الثلاثة ، أبي و أمي و الخائنة يتحدثون عن أمور الحفلة و الإعداد لها ...

    و كنت أشعر بأن طبقة سميكة من الإسمنت قد صبت على صدري و يبست و كتمت أنفاسه ...

    أمي ذهبت بعد ذلك للمطبخ لتساعد دانة ، و بقي والدي مع رغد ...

    كنت أختلس نظرة ناحيتهما من حين لآخر ... والدي كان يجلس موليا ظهره إلي أما الخائنة فكانت تواجهني

    و لم يحدث أن التفت ُّ إلا و اصطدمت نظراتنا ، فزادت الإسمنت على صدري طبقة بعد طبقة ...

    والدي تلقى مكالمة عبر هاتفة المحمول ، ثم انصرف إلى الداخل ...

    و بقيت صغيرتي وحدها تشرب الشاي ... توقفت عن الالتفات إلى الوراء ... و شردت في اللاشيء الذي لا أراه أمامي ...

    و الآن شعرت بحركة خلفي ... و بقيت كما أنا أرتقب ... و ظهر ظل أمامي يكبر و يكبر ... و الفتاة الواقفة خلفي تقترب و تقترب ... و الآن توقفت ...

    لثوان معدودة ... ظلت رغد واقفة خلفي و أنا لا أملك من الشجاعة و القوة ما يمكنني من الاستدارة إليها ... و لكني أرى ظلها أمامي ... و أرى يدها تتحرك نحوي ... ثم تتراجع ... ثم تستدير ... ثم تنسحب ...

    عندما ابتعدت استدرت أنا للخلف و رأيتها و هي تسير مبتعدة و يدها تمسح ما قد يكون دموعا منسكبة على وجهها ...

    مددت يدي ... أريد أن أمسك بها ... أمسك بظلها ... أمسك بطيفها ... أمسك بدمعها ... أمسك بذرات الهواء التي لامستها ... و اختفت رغد ... و عادت يدي فارغة لم تجني غير الحسرة و الألم ...

    عندها ، تلوّت معدتي أيما تلوي ... و عصرت كما تعصر الملابس المبللة باليدين ...

    في تلك الليلة ، حضر نوّار خطيب شقيقتي و قد جالسته لبعض الوقت ...

    و رغم أنه دمث الخلق ، إلا أن نفسه لا تخلو من الغرور و التعالي ... و قد أحرجني لدى سؤاله لي عن دراستي المزعومة و أعمالي و خبراتي المعدومة !

    و كنت أختصر الإجابات ببعض جمل غامضة ، و سرعان ما انسحبت تاركا الخطيبين يستمتعان بعشائهما ...

    و لشدة الآلام ـ الجسدية منها و النفسية ـ فإنني اكتفيت بقدر يسير من الطعام ... و ذهبت إلى غرفة سامر متحججا بالنعاس ...

    رغد لم تكن قد شاركتنا الوجبة ، فلا أظنها تفكر في فعل ذلك بعد الطريقة الفظة التي عاملتها بها ...

    الندم يقرصني و يوخز جميع أعصابي الحسية ... إضافة إلى آلام المعدة الحادة ...

    و مرة أخرى خرجت الدماء من جوفي و زادت قلقي ... لابد أنني مصاب بمرض ... و لابد لي من مراجعة الطبيب ...

    على السرير تلويت كثيرا حتى قلبت المفارش و البطانيات و الوسائد رأسا على عقب ...

    أفكاري كانت تدور حول رغد ... كيف لي أن أهدأ لحظة واحدة ... و موعد زفافها قد تحدد !

    لو كان باستطاعتي تأجيله قرنا بعد ... فقط قرن واحد ... أضمن فيه أنها تبقى معزولة عن أي رجل ... و تموت دون أن يصل إليها أحد ...

    أخرجت صورة رغد الممزقة و جعلت ألملم أجزاءها ، و أتاملها ، ثم أبعثرها من جديد
    و أعود لتجميعها كالمجنون ...

    نعم مجنون ... لأن تصرف كهذا لا يمكن أن يصدر من كائن عاقل ...

    تركتها ملمومة على المنضدة التي بجواري ... و قمت أذرع الغرفة ذهابا و جيئة كبندول الساعة !

    اقتربت الساعة من الواحدة ليلا ... و أنا ما بين آلم معدتي الحارق و ألم قلبي المحترق ... حتى رغبت في تناول أي شيء من شأنه أن يهدئ الحريق المشتعل بداخلي ...
    و تنفُّس أي شيء يطرد الضيق من صدري ...

    أخذت علبة سجائري ... و خرجت من الغرفة ... تاركا الباب مفتوحا ...

    ذهبت أولا إلى المطبخ و حملت علبة حليب بارد معي فقد لاحظت تأثيره المهدئ على معدتي ، و خرجت إلى الفناء ... و بدأت بشربه و التدخين معا ...

    ~ ~ ~ ~ ~ ~

    لا أستطيع أن أنام و أنا أفكر ... و أفكر و أفكر ... فيما قاله وليد لي ... و الصداع يشتد لحظة بعد أخرى ...

    كم آلمني ... أن أكتشف أنه لم يعد يهتم بي أو يرغب في رعايتي كالسابق ...

    لقد تغير وليد ... و أصبح قاسيا و مخيفا ... و غريبا ...

    كنت أبكي حسرة و مرارة ... فأنا فقدت شيئا كان يشغل حيزا كبيرا من حياتي ...
    و منذ ظهوره ، و أنا في صراع داخلي ...

    بقيت فترة طويلة أتأمل صورته التي رسمتها قبل شهور ... و لم أتمها ...

    و إذا بي أرى نفسي ألّون بياض عينيه باللون الأحمر الدموي ... ! غضبا و حسرة ...

    صار مخيفا ... مرعبا ...

    دانه كانت تمضي وقتا غاية في السعادة و المتعة مع خطيبها الذي تحبه ... و هذا يجعلني أتألم أكثر ... لأنني لا أحظى بالسعادة التي تحظى بها ... و لا أشعر بالمشاعر التي تشعر هي بها تجاه خطيبها ...

    غدا هو يوم دراسة ، و يجب أن أنام الآن و إلا فإنني سأنام في القاعة وسط الزميلات !

    خرجت من غرفتي و في نيتي ابتلاع قرص مسكن من الأقراص الموجودة في الثلاجة ، و فيما أنا أعبر الردهة لاحظتُ باب غرفة سامر مفتوحا ...

    تملكني الفضول !
    سرت بحذر و هدوء نحو الغرفة !
    وقفت على مقربة و أصغيت جيدا ... لم أسمع شيئا ...

    اقتربت أكثر خطوة بعد خطوة ، حتى صرت عند فتحة الباب ، و أطللت برأسي إلى الداخل بتهور ... لكني لم أجد أحدا !

    عندها فتحت الباب على مصراعيه بسرعة ... و بذعر و هلع صحت :

    " وليد ! "

    قفزت و أنا أركض كالمجنونة ... أجول في أنحاء المنزل و في رأسي الاعتقاد الصاعق بأن وليد قد فعلها و رحل خلسة ...

    الدموع تسللت من عيني من شدة ما أنا فيه ، و شعرت برجلي ّ تعجزان عن حملي فصرت أترنح في مشيتي مخطوفة الفؤاد ... منزوعة الروح ...

    و انتهى بي الأمر إلى باب المدخل ...

    وقفت عنده و مسكت قبضته و ركّزت كل ثقلي عليها لتدعمني لئلا أقع ... فإن انفتح الباب ... فلا شك أن وليد قد غادر و تركه مفتوحا ...

    و انفتح الباب و انهرت أنا مع انفتاحه ...

    لقد فعلها و فر خلسة دون وداعي ... خارت قواي و أخذت أبكي و أنحب بصوت عال ...

    " لماذا ؟ لماذا يا وليد لماذا ؟؟ "

    فجأة ... ظهر شيء أمامي !

    كنت أجلس عند الباب بلا حول و لا قوة ... و شعرت بشيء يتحرك فأصابني الذعر الشديد ... فإذا به وليد يظهر في المرأى ...

    " رغد !!؟ "

    لم أصدّق عيني ... هل هذا شبح ؟؟ أم حقيقة ؟؟

    جسم كبير ... طويل عريض ... متخف في الظلام ... يتقدم نحوي ... لا يُرى شيءٌ منه بوضوح غير لهيب السيجارة التي بين إصبعيه ...

    " رغد ... ما ... ماذا تفعلين هنا ...؟؟ "

    و كدمية كهربائية قد فُصِل سلكها عن المكبس ، شللت ُ عن الحركة ...

    حتى رأسي الذي كان ينظر إلى الأعلى ... الأعلى .. حيث موضع عيني وليد ، هوى إلى الأسفل ... متدليا على صدري سامحا للدموع بأن تبلل الأرض ...

    لم أجد في بدني أي مقدار من القوة لتحريك حتى جفوني ...

    وليد وقف مندهشا متوجسا برهة ... ثم جلس القرفصاء أمامي ... و قال بصوت حنون جدا ...

    " صغيرتي ... ؟؟"

    الآن ... كسبت من الطاقة ما مكنني من رفع رأسي للأعلى و النظر إليه ...

    و بقيت أنظر إلى عينيه و تحجبني الدموع عن قراءة ما فيهما ...

    " ما الذي تفعلينه هنا ؟؟ "

    " هل تريد الرحيل دون وداعي ؟؟ "

    لم تخرج الكلمات كالكلمات ... بل خرجت كالبكاء الأجش ...

    " الرحيل ؟؟ من قال ذلك ؟؟ "

    " ألست ... ألست تريد الرحيل ؟؟ "

    " لا ... خرجتُ أدخّن ! ... لكن ... ما الذي تفعلينه أنت هنا في هذا الوقت ؟؟ "

    أخذت نفسا عميقا و أطلقت الكلمات التالية باندفاع و بكاء :

    " ظننت أنك رحلت ... دون علمي و وداعي ... كما فعلت قبل سنين ...
    تركتني وحيدة ... في أبشع أيام حياتي ... "

    مد وليد يده فجأة و بانفعال نحوي ، ثم أوقفها في منتصف الطريق ، و سحبها ثانية ...

    قلت :

    " حتى لو لم أعد أعني لك شيئا ... لا ترحل دون علمي يا وليد ... أرجوك لا تفعل ... عدني بذلك ... "

    وليد ظل صامتا لا يجرؤ على شيء سوى الإصغاء إلي ...

    قلت :

    " عدني بذلك وليد أرجوك ... "

    هز رأسه إيجابا و قال :

    " أعدك .. "

    نظرت إليه بتشكك ... كيف لي أن أثق بوعوده ... ؟؟ ...

    قلت :

    " اقسم "

    وليد تردد قليلا ثم قال :

    " أُقسِم ... لن أرحل دون علمك ... صغيرتي ... "

    شعرت بالراحة لقسمه ... و سحبت نفسا عميقا ليهدئ من روعي ...

    وليد حملق بي قليلا ثم وقف ... و رفع سيجارته إلى فمه و سحب بدوره نفسا عميقا ...

    وقفت أنا ، و سمحت للباب الذي كنت أستند عليه و أحول دون انغلاقه أن ينغلق

    نفث هو الدخان للأعلى ، ثم قال و هو لا يزال ينظر عاليا :

    " لم استيقظت الآن ؟؟ "

    قلت ، و أنا أراقب الدخان يعلو و ينتشر ...

    " لم أنم بعد "

    قال :

    " لم ؟ ألن تذهبي غدا إلى الكلية ؟ "

    قلت :

    " بلى ... لكن ... لدي أرق "

    و صمت ...

    ثم سألته :

    " و أنت ؟ "

    قال :

    " كذلك ، لذا خرجتُ أدخن ... في ساعة كهذه "

    قلت :

    " هل ... يريحك التدخين ؟؟ "

    وليد لم يجب مباشرة ، ثم قال :

    " نعم ... إلى حد ما ... يرخي الأعصاب ... "

    قلت :

    " دعني أجرب ! "

    وليد التفت إلي بدهشة و نظر باستغراب !

    " ماذا ؟؟ "

    " أريد أن أجرب ! "

    اعتقد أنها ابتسامة تلك التي ظهرت على إحدى زاويتي فمه !

    قال :

    " هل تعنين ما تقولين ؟؟ "

    " نعم ... أتسمح ؟؟ "

    وليد هز رأسه اعتراضا و قال :

    " لا ... لا أسمح "

    " لم ؟ "

    " لا أسمح لشيء كهذا بدخول صدرك ... "

    " لكنه يدخل صدرك ! "

    قال :

    " أنا صدري اعتاد على حمل السموم و الهموم ... "

    ثم رمى بالسيجارة أرضا و سحقها تحت حذائه ...

    و علت وجهه علامات التألم ، و ضغط بيده على بطنه و قال :

    " لندخل "

    و حينما دخلنا ، قال :

    " تصبحين على خير "

    و اتجه نحو المطبخ ...

    أنا تبعته إلى هناك فرأيته يخرج علبة حليب بارد و يجلس عند الطاولة و يرشف منها ...

    و بعد رشفة أو رشفتين سمعته يتأوه ... و يسند رأسه إلى الطاولة في وضع يوحي للناظر إليه بأنه يتألم ...

    دخلت المطبخ ... فأحس بوجودي ... فرفع رأسه و نظر إلي ...

    " ألن تخلدي للنوم ؟ الوقت متأخر "

    شعرت بقلق شديد عليه ... قلت :

    " ما بك ؟؟ "

    أبعد نظره عني و قال :

    " لا شيء "

    لكني كنت أرى الألم باد على وجهه ... و عاد يشرب الحليب جرعة بعد جرعة ...

    " وليد ... هل أنت مريض ؟؟ "

    تنهد بنفاذ صبر و شرب بقية الحليب دفعة واحدة ، ثم نهض ... و خطا نحوي ...

    " تصبحين على خير "

    و تجاوزني ، و ذهب إلى غرفة سامر ... و أغلق الباب ...

    ~ ~ ~ ~ ~ ~

    صحوت من النوم على صوت والدتي توقظني من أجل تأدية صلاة الفجر ...

    كنت قد نمت قبل ساعة و نصف ، و أشعر بإعياء شديد ...

    أفقت من النوم فوجدتها واقفة قربي ... نهضت و ذهبت للتوضؤ ، و عندما عدت وجدتها لا تزال واقفة عند نفس المكان تنظر إلى المنضدة ...

    ما إن أحست بوجودي حتى استدارت نحوي بسرعة ، و قالت :

    " والدك ينتظرك ... "

    ثم خرجت من الغرفة ....

    ألقيت نظرة على المنضدة التي كانت أمي تراقبها قبل مجيئي ... فإذا بي أرى صورة رغد الممزقة ... التي نسيتُ إعادتها إلى محفظتي ليلا ...

    شعرت بالقلق ... لابد أن أمي رأت الصورة واضحة ... و لابد أن شكوكا قد راودتها

    إلا إذا كان احتفاظ رجل بصورة ممزقة لطفلة كان متعلقا بها بجنون ... هو أمر مألوف و مشهد تراه كل يوم ... !

    أدينا الصلاة في مسجد قريب و عدت إلى السرير و نمت بسرعة قياسية ...

    عندما نهضت ، كان ذلك قبيل الظهر و لم يكن في البيت غير والدتي ، فوالدي في مكتبه ، و رغد في الكلية ، و دانه مدعوة للغداء في مطعم ، مع خطيبها ...

    أمي لم تشر إلى أي شيء بحيال تلك الصورة ... لذا ، تجاهلت الأمر ... و أقنعت نفسي بأنها نسيت أمرها ...

    لم أرَ صغيرتي ذلك النهار ، إذ يبدو أنها عادت من الكلية عصرا و ذهبت للنوم مباشرة في وقت كنت أنا فيها مشغول بشيء أو بآخر ....

    و في الليل ... و قبل ذهابي إلى غرفة المائدة لتناول العشاء ، مررت بالمطبخ فرأيت صغيرتي تأكل وجبتها منفردة هناك ...

    عندما رأتني توقفت عن الأكل و انخفضت بعينيها إلى مستوى الأطباق ... في انتظار مغادرتي ...

    آلمني أن أراها وحيدة هكذا فيما نحن مجتمعون معا ... قلت :

    " تعالي و انضمي إلينا "

    رغد حملقت بي قليلا متشككة ثم سألت :

    " ألا يزعجك ذلك ؟؟ "

    قلت :

    " لا ... صغيرتي "

    و سرعان ما حملت أطباقها و طارت إلى غرفة المائدة ... بمنتهى البساطة !

    فيما نحن نتحدث عن أمور شتى ، قال والدي :

    " أيمكنك يا وليد اصطحاب رغد من و إلى الجامعة يوميا ؟؟ إن تفعل تزيح عن عاتقي مشوارا مربكا "

    و لأنه لم يكن لدي ما أقوم به ، لم أجد حجة تمنعني من الموافقة ... لكن بعض الاستياء ظهر على وجه والدتي ... أنساني إياه البهجة التي ظهرت على وجه رغد ... أو ربما توهمت أنها ظهرت على وجه رغد !

    في اليوم التالي كان علي أن أنهض باكرا من أجل هذه المهمة ، و رافقتنا والدتي هذه المرة ....

    المشوار كان يستغرق قرابة العشرين دقيقة .

    رغد كانت تركب المقعد الخلفي لي ، ذهابا و إيابا ... و كانت تلتزم الصمت معظم المشوار إلا عن تعليقات بسيطة عابرة ...

    في المساء ، كنا نقضي أوقاتا ممتعة في مشاهدة أحد الأفلام ، أو مزعجة في متابعة الأخبار و ما آلت إليه الأوضاع الأخيرة ، أو محرقة في الحديث عن الزفاف المرتقب ...

    أتناول وجباتي معها ... آخذها إلى الجامعة أو أي مكان تود ... أتبادل بعض الأحاديث معها بشأن دراستها و ما إلى ذلك ... أتفرج على لوحاتها الجديدة ...
    أرافقها هي و دانة و أمي إلى الأسواق ... أنصت باهتمام كلما تحدثت و أراقبها دون أن أشعر كلما تحركت ...

    كل هذا ... قد أثار جنوني ... و ذكريات الماضي ... فصرت أشعر بأنها عادت لي ... طفلتي الحبيبة التي أعشقها و أعشق رعايتها ...

    أخذني جنوني إلى التفكير بعدم الرحيل ...

    كيف لي أن أبتعد عنها و أنا متعلق بها بجنون ...

    كيف لي أن أسمح للمسافات و الزمن بتفريقنا ؟؟؟
    إنني سأبقى حيث تكون رغد ... لأنه لا شيء في هذه الدنيا يهمني أكثر منها هي ...
    سأبحث عن عمل ، و استقر هنا إلى جانبك ...

    سأبقى قربك يا رغد ... نعم قربك يا صغيرتي الحبيبة ...

    ثم ... و باتصال هاتفي واحد من سامر ... يتحطم كل شيء ، و أسقط من برج الأوهام الطرية ، إلى أرض الواقع القاسية الصلبة ... و يتدمر كل شيء ...

    لم تكن صغيرتي تملك هاتفا في غرفتها ، لذلك فإن مكالماتها تكون على مرأى و مسمع من الجميع ... و كلما تحدثت إلى سامر غمرتني رغبة في تقطيع أسلاك الهاتف و الكهرباء ... في المنزل برمته !

    في أحد الأيام ، كنت ذاهبا لإحضارها من الجامعة ، و صادف أن الشارع كان مزحوما و شبه مسدود بسبب حادث مروري ...

    طال بي المشوار و أنا أسير ببطء شديد بسبب الحادث ... و عوضا عن الوصول خلال 20 دقيقة وصلت بعد 40 دقيقة على الأقل ...

    عادة ما تكون صغيرتي تنتظرني عند الموقف حيث تقف الطالبات ، إلا أنني الآن لم أجدها ...

    انتظرت بضع دقائق ، لكنها لم تخرج ... وقفت في مكاني حائرا

    ثم اتجهت إلى الحارس و أخبرته بأنني أنتظر قريبتي و لم أرها ، فطلب اسمها ثم اتصل برقم ما ، و بعدها بدقيقتين رأيت رغد تخرج من البوابة ... مع بعض الفتيات ...

    كنت لا أزال واقفا قرب الحارس ، نظرت هي باتجاهي و ظلت واقفة حيث هي ... و تتحدث إلى زميلاتها ...

    شكرت الحارس ثم تقدمت ُ إليها فودعتهن و أتت نحوي ...

    " أنا آسف ... تأخرت ُ بعض الشيء "

    " بل كثيرا "

    قالت بغضب ... ثم سارت نحو السيارة ...

    بعدما اتخذنا مقعدينا ، و قبل أن ننطلق عدت ُ أقول :

    " آسف صغيرتي ... "

    و لكنها لم تجب ، و فتحت نافذة السيارة لأقصى حد ... يبدو أنها مستاءة و غاضبة !

    و نحن نسير بالسيارة مررت من حارس الأمن ذاته فألقيت التحية عبر النافذة و انطلقت ...

    " كيف تلقي تحية على شخص بغيض و غير مهذب كهذا ؟؟ "

    تعجّبت من سؤالها ! قلت :

    " لم تقولين عنه ذلك ؟؟ "

    " كلما خرجت ُ لأرى ما إذا كنت َ قد وصلت َ أم لا ، وجدته ينظر باتجاه المدخل ... كان أجدر بك أن تصفعه ... لقد كنت أخرج فأجد والدي في انتظاري هنا كل يوم ... إياك و أن تتأخر ثانية "

    يا له من أسلوب !

    قلت :

    " حاضر ... أنا آسف "

    صمتت برهة ثم قالت :

    " و كذلك ابق هاتفك المحمول مشغلا ، كلما اتصلت وجدته مغلقا "

    و أخرجت هاتفي من جيبي فاكتشفت أنه كان مغلقا سهوا ...

    " حسنا ... لم انتبه له "

    و أيضا صمتت برهة ثم عادت تقول :

    " و لا تخرج من السيارة ... ابق حيث أنت و أنا سآتي إليك "

    عجبا لأمر هذه الفتاة ! قلت :

    " و لم ؟؟ "

    قالت بعصبية :

    " افعل ذلك فقط ... مفهوم ؟؟ "


    قلت باستسلام :

    " مفهوم ... سيدتي !! "

    لحظتها اجتاحتني رغبة بالضحك ، كتمتها عنوة !

    و توقفت عن الكلام ...

    و طوال الوقت ظلت صامتة بشكل لم يرحني ... لابد أنها لا تزال غاضبة لأنني تأخرت ...

    حينما شارفنا على بلوغ المنزل ... راودتني فكرة استحسنها قلبي و استسخفها عقلي ... لكنني قبل أن أقع في دوامة التردد طرحت السؤال التالي :

    " هل ... هل ترغبين ببعض البوظة ؟؟ "

    طبعا السؤال كان غاية في السخف و الحماقة ... لكنني كنت أسيرا للذكريات ... ففي تلك الأيام ... كنت أغدق العطاء بالبوظة و غيرها على صغيرتي كلما غضبت لإرضائها !

    شعرت بالندم لأنني تفوهت بهذه الجملة الغبية ... و كنت على وشك الاعتذار إلا أن رغد قالت بمرح و على غير ما توقعت :

    " نعم ... بالتأكيد ! "

    أوقفت السيارة عند محل لبيع البوظة ، قريب من المنزل ... و سألتها :

    " أي نوع تفضلين ؟؟ "

    قالت :

    " هل ستتركني وحدي ؟؟ سآتي معك "

    و فتحت الباب هامة بالنزول

    دخلنا المحل ، و كان يحوي عددا من الناس ، ما جعل رغد تسير شبه ملتصقة بي ...

    بعد ذلك ... انتهى بنا المطاف إلى المنزل ، و لو تركت الساحة لأحلامي لأخذتني مع صغيرتي في نزهة ... كما في السابق ...

    إلا أنني طردتها بعيدا و عدت بالصغيرة إلى المنزل ... و أنا مسرور و مرتاح ... فرائحة الماضي أنعشت رئتي ...

    ليت الأقدار لم تفرقني عنك يا رغد ...

    ليتك تعودين إلي !

    ليتنا نتناول البوظة أو البطاطا المقلية سوية ... كل يوم ...

    ما أجملها من لحظات ...

    و نحن نحمل البوظة اللذيذة برضا و سرور دخلنا إلى داخل المنزل ، ثم إلى غرفة المعيشة ... حيث فوجئت بالنار تصهر ما بيدي ... و ما بصدري ... و ما بجوفي و داخلي ...

    هناك كان سامر يجلس مع والدي ّ و دانة ...

    حضر على غير توقع و دون سابق إبلاغ ...

    حينما رآنا نهض بسرور و جاء يرحب بنا ...

    نصيبي من الترحيب كان محدودا ... مقابل نصيب الفتاة التي تقف إلى جواري ... تحمل البوظة في يد ، و الحقيبة في اليد الأخرى ...

    السعادة المؤقتة التي أوهمت نفسي بها تلاشت نهائيا ... و أنا أرى سامر يطوقها بذراعيه ...

    " اشتقت إليك عروسي ! "

    البوظة وقعت و لوثت الأرض ...

    بل قلبي هو من وقع أرضا و لوثت دماؤه الكرة الأرضية بأكملها ...

    انثنيت نحو البوظة المنصهرة أود التقاطها ...

    " دعها بني ، أنا سأرفعها "

    و أقبلت أمي لتنظف ما تلوث ...

    " ملابسك تلوثت وليد "

    " حقا ؟ سأذهب لتغييرها "

    أهي ملابسي من تأذت ؟؟

    و انصرفت مسرعا ... لا يحركني شيء غير الغضب و الغيرة المشتعلة في صدري ... و رغبة مجنونة في أن أوسع سامر ضربا ... إن بقيت انظر إليه دقيقة أخرى بعد ...

    محال أن أبقى في هذا المنزل ليلة أخرى ... و الليلة بالذات ... سأرحل و بلا عودة .

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    بدأت أشعر بأن وليد يهتم بي ... إلى حد ما ... و هو شعور جعلني أحلق في السماء ...

    و اليوم ، تأخر عن موعد حضوره للجامعة عصرا ، و بعدما وصل خرجت أنا و بعض زميلاتي كل واحدة في طريقها لسيارتها ...

    وليد كان يقف قرب حارس البوابة ... و هو شخص غير محترم ... نبغضه جميعنا..

    رأتني إحدى زميلاتي أنظر ناحية وليد فسألتني :

    " إلى من تنظرين !؟ "

    قلت باستياء :

    " من تظنين ؟ الحارس ؟ طبعا إلى ابن عمّي "

    قالت و هي تنظر إليه :

    " تعنين هذا الرجل ؟؟ "

    " نعم "

    قالت :

    " واو ! كل هذا ابن عمك !؟ حجم عائلي ! "

    و ضحكت هي و فتيات أخريات ضحكات خفيفة !

    و قالت أخرى :

    " ما شاء الله ! مع أنك صغيرة الحجم ! أنت و ثلاث أخريات معك مطلوبات من أجل التوازن ! "

    و ضحكن كلهن !

    قلت بغضب :

    " مهلا فليس هذا هو خطيبي "

    ثم ودعتهن على عجل و سرت نحوه ...

    عندما عدنا إلى البيت و نحن نأكل البوظة باستمتاع ، وجدت سامر هناك فدهشت ...

    لم يكن قد أبلغنا بأنه قادم ، كما و أنه غير معتاد على الحضور نهاية أسبوعين متتاليين !

    أخبرني في وقت لاحق بأنه اشتاق إلي .. و يريد أن نتحدث عن الزفاف المرتقب ، و الذي لم يسعه الوقت للحديث حوله في المرة الماضية ...

    قضينا أمسية عائلية هادئة لم يشاركنا فيها وليد معللا بآلام معدته المزعجة ...

    أظن أن السبب هو التدخين !

    في اليوم التالي ، أيقظتني أمي لتأدية صلاة الفجر ...

    عندما رأيتُ عينيها حمراوين متورمتي الجفون ، سألت بقلق :

    " أمي .. ماذا هناك ؟؟ "

    أمي مسحت براحتها على رأسي و قالت بحزن :

    " رحل وليد "

    جن جنوني ...

    و قفزت ... و ركضت خارجة من غرفتي ... إلى غرفة سامر ... فوجدتها خالية ... و جلت بأنحاء المنزل غير مصدقة و غير مقتنعة ... لا يمكن أن يكون قد رحل !

    لقد وعد بألاّ يرحل دون وداعي ...

    أقسم على ذلك ...

    تدفقت دموعي كمياه السد المتهدم ... تجري بعنف و تدمر كل أمل تصادفه في طريقها ... باب المنزل كان موصدا... والدي و سامر قد ذهبا للمسجد ... فتحت الباب ... و خرجت للفناء مندفعة ... ثم إلى البوابة الخارجية ... فتحت منها القدر الذي يكفي لأن أرى الموقف خال ٍ من أي سيارات ... استدرت ... و هرولت أقصد المرآب ... والدتي أوقفتني ... و أمسكت بكتفي ...

    " لا داعي يا رغد ... لقد ودعنا قبل قليل ... "

    لا !

    لا يمكن أن يفعل ذلك !

    لا يمكن أن يختفي من جديد ...

    صعقت ... و انتفضت أطرافي ... و صحت :

    " لماذا لم يودعني ؟؟ "

    أمي هزت رأسها بأسى ...

    صرخت :

    " لماذا يفعل بي هذا ؟؟ لماذا ؟؟ لماذا ؟؟ "

    و مسكت بعضدي أمي بقوة و انفعال ... و زمجرت بقوة و عصبية و بكاء أجش :

    " لماذا يعاملني بهذا الشكل ؟؟؟ لقد وعد بألا يرحل دون وداعي ... إنه كاذب ... كاذب ... كان يسخر مني ... كان يستغفنلي و يهديني البوظة ! ...
    كما فعل سابقا

    أنا أكرهه يا أمي ... أكرهه ... أكرهه ... أكرهه ... "

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    الحلقة العشرون

    مُساهمة  littledoctor في الثلاثاء 19 يوليو 2011 - 3:14

    الحلقةالعشرون
    *************


    لم يكن العثور على مزرعة نديم بالأمر السهل ... قضيت وقتا لا بأس به في التفتيش ، خصوصا و أنا أقدم إلى هذه المدينة للمرة الأولى .
    المدينة الشمالية هي مدينة زراعية تكثر فيها الحقول و المزارع ، و بها من المناظر الطبيعية الخلابة ما يبهج النفس المهمومة و يطرد عنها الحزن ...

    كان الوقت ضحى عندما وصلت أخيرا إلى مزرعة نديم بعد مساعدة البعض .

    كنت مرهقا جدا ، فأنا لم أنم لحظة واحدة منذ نهضت صباح الأمس ... و لم أهدأ دقيقة واحدة مذ رأيت الخائنين يتعانقان أمامي..
    عدا عن هذا ، فإن معدتي لم ترحم بحالي و عذبتني أشد العذاب طوال هذه الساعات

    كانت مساحة المزرعة صغيرة ، محاطة بالسياج ، و بها الكثير من الأشجار المثمرة ...
    ركنت سيارتي جانبا و دخلت عبر البوابة الكبيرة المفتوحة ...
    كنت أسير ببطء و أراقب ما حولي ، و رأيت منزلا صغيرا في آخرها .
    فيما أنا أسير نحو المنزل لمحت سيدة تقف عند الأشجار ، و إلى جانبها عدة صناديق خشبية مليئة بالثمار ..
    كانت السيدة تقطف الثمار و تضعها في تلك الصناديق . و كانت ترتدي جلبابا واسعا و تلف رأسها بوشاح طويل ...
    اقتربت ببطء من السيدة و أصدرت نحنحة قوية للفت انتباهها .

    السيدة استدارت نحوي و نظرت إلي بتساؤل ، و من الوهلة الأولى توقعت أن تكون امرأة أجنبية ، في الأربعينات من العمر .

    قلت :
    " معذرة سيدتي ، إنني أبحث عن مزرعة السيد نديم وجيه و عائلته "
    قالت السيدة :
    " من أنت ؟؟ "
    أجبت :
    " أنا صديق قديم له ، أدعى وليد شاكر "
    تهلل وجه السيدة ، و قالت :
    " أنت صديق نديم ؟؟ "
    قلت :
    " نعم ... في الواقع كنت زميلا له في ... "
    و صمت ّ لحظة ، ثم تابعت :

    " في السجن "

    قالت :

    " أنا زوجة نديم ... أحقا تعرفه ؟ "

    " نعم ... سيدتي و هو من دلّني إليكم "

    قالت :

    " و أين هو الآن ؟؟ ألا يزال في السجن ؟؟ "

    صعقت لدى سماعي هذا السؤال و رفعت بصري إليها فوجدتها تكاد تخترقني بنظراتها القوية المهتمة جدا و القلقة ...

    عادت تكرر بخشية :

    " أما زال في السجن ؟؟ "

    رباه ! لقد قتِل نديم قبل سنين ! ألم يخبروا أهله بذلك ؟؟ بم أجيب هذه السيدة الآن ؟؟

    السيدة رفعت يدها إلى صدرها كمن يتوقع خبرا سيئا ، قرأته في عيني ...

    أنا هربت بعيني ... نحو أشياء عدة ... إلا أنني في النهاية عدت أواجه نظراتها الملهوفة ... و قلت بنبرة حزينة :

    " البقاء لله "

    السيدة هلعت ... و انفتحت حدقتاها على مصراعيهما و انفغر فاها ...

    ثم ضربت على صدرها ... و رأسها ... و صرخت :

    " يا ويلي "

    أنا كنت أريد أن ... أعتذر عن نقل خبر مفجع كهذا ... و لكني لم أعثر على الكلمات الملائمة ... كما و أنني شغلت بحالة السيدة المفجوعة ...
    فجأة ... ترنحت السيدة و هوت أرضا !

    اقتربت منها و قلت بصوت خائف قوي :

    " سيدتي ! "

    و ظهر لي أنها فقدت الوعي ...

    عدت أنادي دون جدوى ... ارتبكت و لم أعرف ما أفعل ...

    تلفت يمنة و يسرة و لم أجد أحدا ، و ناديت بأعلى صوتي :

    " أيسمعني أحد ؟؟ ساعدوني ... "

    و لم أسمع أو أرى أي تجاوب ... لم يكن في المزرعة على ما يبدو غير هذه السيدة ...

    ركضت بسرعة نحو ذلك المنزل و أنا أنادي :

    " أمن أحد هنا ؟ أرجوكم ساعدوني "

    وقفت أمام المنزل ثانية ، ثم اقتحمته !

    كنت أنادي و استنجد ... و كانت أبواب المنزل مفتوحة ...

    فجأة وصلني صوت ٌ من خلف أحد الأبواب :

    " من هناك ؟؟ "

    قلت بسرعة و اضطراب :

    " أسرعوا ... السيدة في الخارج فقدت وعيها "

    اندفع الباب منفتحا فجأة و بقوة كادت تصدّع الجدار الذي اصطدم به ، و انطلق من الداخل شهاب ٌ ذهبي !

    " أمي ! "

    صرخت الفتاة الشقراء التي ظهرت مسرعة و ركضت مسرعة كالبرق نحو الخارج و أنا ... أتبعها ...

    وصلنا إلى حيث السيدة ، و بدأت الفتاة تصيح و تصرخ بذعر ...

    " أمي ... أمي ... ردي علي أرجوك ... "

    و هوت إلى جانبها تحاول إيقاظها

    أنا وقفت ُ مذهولا مسلوب الإرادة و التفكير ...

    الفتاة أخذت تنادي بصوت قوي :

    " خالي ... تعال بسرعة "

    تلفت أنا من حولي و لم أر أحدا ...

    نهضت الفتاة الشقراء بسرعة و ركضت مبتعدة و هي تنادي

    " خالي ... أسرع "

    يا إلهي ... هل ماتت السيدة ؟؟

    إنني من تسبب في موتها ...

    ماذا أفعل الآن ؟؟

    لحظة شعرت ُ فيها برغبة قوية في الهروب ...

    إلا أن رجليّ لم تسعفاني ...

    ظهرت الآن الفتاة الشقراء ، تمسك بيد رجل عجوز أشقر ، تجبره على الركض ، و هو لا يقوى عليه ...

    و أخيرا وصلا إلينا ... في نفس اللحظة التي بدأت فيها السيدة تفتح عينيها ...

    أقبلت الفتاة بسرعة لمساعدة أمها في الجلوس و هي تقول بفزع :

    " أمي ... ماذا جرى لك ؟؟ "

    السيدة بدت متعبة و منهارة ، وضعت رأسها على صدر ابنتها و أغمضت عينيها ...

    الفتاة نظرت الآن و لأول مرة نحوي أنا !

    " من أنت ؟؟ ماذا حدث ؟؟ "

    أنا ارتبكت و بدأت أتأتئ....

    الرجل العجوز اقترب من السيدة و قال :

    " ليندا ! ماذا جرى لك ؟؟ "

    قالت الفتاة :

    " يجب أن نأخذها إلى المستوصف يا خالي هيا بسرعة "

    و تعاونا الاثنان على إسنادها ...

    قال العجوز :

    " السيارة في المؤخرة ! "

    قالت الفتاة :

    " أوه كلا ! "

    حينها أنا تدخلت و قلت :

    " أيمكنني المساعدة ؟؟ لدي سيارة تقف بالخارج ... على مقربة "

    نظر العجوز إلى ، و كأنه ينتبه لوجودي الآن فقط ، و قال :

    " من أنت ؟؟ "

    قلت :

    " أنا ... وليد شاكر ... صديق نديم "

    الفتاة نظرت إلي باهتمام ، إلا أن والدتها تأوهت ، فأهملت الفتاة نظراتها إلي و نادت :

    " أمي ... تماسكي أرجوك ... "

    قلت :

    " تعالوا معي ... "

    و لم يتردد الآخرون كثيرا ، بل ساروا خلفي مباشرة ...

    وُضعت السيدة في السيارة ، و جلس الرجل العجوز إلى جانبي ، ثم ذهبت الفتاة مسرعة و عادت خلال ثواني ، و جلست إلى جانب أمها على المقاعد الخلفية

    تولّى العجوز إرشادي إلى أقرب مستوصف من المزرعة ، و هناك تم إسعاف السيدة و إجراء اللازم ...

    الأحداث جرت بسرعة مدهشة ، حتى أنني لا أذكر بقية التفاصيل !

    قال الطبيب :

    " نوبة قلبية ... يجب أن تنقل للمستشفى من أجل الملاحظة و العلاج "

    رباه !
    هل تسببت ُ دون قصد ٍ مني في نوبة قلبية لزوجة صديقي ؟؟
    كم أنا نادم على الحضور ... بل نادم على تذكر وصيتك يا نديم ... فعوضا عن مساعدة عائلتك هاأنا أتسبب بمرض زوجتك !

    الذي حدث هو أن صحة السيدة تحسنت شيئا فشيئا ، و رفضت هي الذهاب للمستشفى و أصرت على العودة إلى البيت ...

    بصعوبة أقنعتها ابنتها بالبقاء بعض الوقت ، حتى تتحسن أكثر ...

    تُركت السيدة في غرفة للملاحظة ، و بقينا أنا و العجوز في على مقربة ...

    الآن تخرج الفتاة من الغرفة ، و تأتي نحونا

    العجوز يبادر بالسؤال :

    " كيف هي ؟؟ "

    " نائمة ، لكنها أفضل "

    و بعدها تنظر إلي أنا ...

    غضضت أنا بصري ... فسألتني :

    " من أنت ؟؟ "

    أجبت :

    " وليد شاكر ... كنت أحد أصدقاء السيد نديم وجيه "

    قالت :

    " إنه والدي "

    قلت :

    " نعم ... عرفت "

    قالت :

    " و لم جئت لمزرعتنا ؟ ألا تعرف أن أبي في السجن منذ زمن ؟؟ "

    صمت ... ما ذا بإمكاني القول ؟؟

    قالت :

    " بم أخبرت أمي ؟؟ "

    و أيضا بقيت صامتا ...

    قالت :

    " والدي قُتِل ... أليس كذلك ؟؟ "

    رفعت نظري إليها مندهشا ... و متندما ... و أسِفا ... و كم كانت تعبيرات وجهها تنم عن القوة و الجرأة ...

    ثم نظرت إلى الرجل العجوز ... فرأيته هو الآخر يحملق بي ...

    قلت :

    " أنا ... آسف ... "

    خشيت أن تأتي ردة فعل الفتاة كأمها لكنني عجبت من هذه القوة و الصمود اللذين تملكاها ... قالت :

    " كنت أتوقع ذلك ... "

    ثم انصرفت عائدة نحو الغرفة ...

    بعد ذلك بدأ العجوز يستجوبني ... و سردت عليه بعض أخبار نديم و أوضاعه في السجن قبل موته ... و علمت أنهم منعوا من زيارته و لم يبلغوا بوفاته ...

    و كم أثار ذلك حزني و حنقي ...

    أبعد العذاب الذي صبوه عليه كل تلك المدة ، يقتلونه و يدفنونه ثم لا يبلغون أهله حتى بأنه مات !؟

    أ تركوا العائلة تعيش مرتقبة عودته فيما هو رميم تحت الأرض ..؟؟

    طال الانتظار ، و لم أعرف ... أعلي الذهاب و تركهم ؟؟ أم علي البقاء و مساعدتهم ؟

    و لكنني آثرت البقاء ... من باب الأدب و الوفاء لصديقي الراحل ...

    بعد فترة ، اشتد علي الألم ، و التعب و بدأت أحس بالدوار ...

    لم أكن قد تناولت شيئا بعد تلك البوظة الأخيرة ... لذلك أحس باضطراب ...
    و قد لاحظ العجوز اضطرابي و وهني ، إذ كنت أسند رأسي إلى الحائط القائم خلف المقعد الذي أجلس عليه ..

    " هل أنت على ما يرام ؟؟ "

    سألني العجوز ... أجبت :

    " أشعر بالإعياء ... "

    قمت بصعوبة ، بالكاد أحمل نفسي و سرت خطى متعثرة حتى وصلت إلى عيادة الطبيب ...

    انهرت على السرير هناك و قلت :

    " أنا مرهق ... ساعدني ... "

    اشتد بي الدوار و بدأت أتقيأ ... عصارة ممزوجة بالدم ...

    بعد أربعين دقيقة من العلاج شعرت بتحسن كبير ... و شكرت الطبيب ...

    الطبيب سألني عدة أسئلة عرف منها عن آلام معدتي المتكررة و الدماء التي تخرج من جوفي ،
    فأجرى لي بعض الفحوص ثم رتب لإرسالي إلى قسم المناظير لإجراء منظرة لمعدتي ...

    الرجل العجوز كان يأتي للاطمئنان علي بين الفينة و الأخرى ...

    " أ أنت بخير يا هذا ؟ "

    " أنا بحال أفضل الآن . شكرا لسؤالك أيها العم ، ماذا عن السيدة ؟ "

    " لا تزال نائمة و يريد الطبيب نقلها إلى مستشفى أكبر ، لكن ظروفنا لا تسمح بذلك "

    و الآن دخلت الممرضة في الغرفة التي كنت ُ أنا فيها و قالت :

    " هيا يا سيد ، سنأخذك إلى قسم المناظير "

    الرجل العجوز نقل بصره بيني و بينها في تساؤل ، فقلت :

    " سأعود بسرعة "

    و ذهبنا إلى قسم المناظير و تم إجراء منظرة لمعدتي ... و بعد الفراغ من ذلك قال لي الطبيب :

    " إنها قرحة نازفة ... في معدتك أيها السيد "

    خمس ساعات مضت و نحن في ذلك المستوصف ، ننتظر تحسن السيدة زوجة نديم كي نغادر

    وصف لي الطبيب أدوية اقتنيتها من صيدلية مجاورة ، بسعر باهظ ... كما و أنني دفعت مبلغا كبيرا نسبيا من أجل مستحقات الطبيب و الفحوص و المنظرة
    أتساءل ، أي مبلغ خسرت عائلة نديم يا ترى ؟؟

    أقف الآن عند المخرج ، و أرى الفتاة ابنة نديم تدفع كرسي العجلات الذي تجلس عليه والدتها ، و إلى جانبهم العجوز الطيب .

    حينما صاروا قربي ، انطلقت نحو السيارة و أنا أقول :

    " من هنا رجاءً "

    أخذ الثلاثة يتبادلون النظرات ، ثم نظروا إلي ...

    في أعينهم كانت آثار الدموع واضحة ، كما علامات الحيرة و التردد ...

    قلت :

    " سأوصلكم إلى المزرعة ... إن لم يكن لديكم مانع ؟؟ "

    وصلنا إلى المزرعة و طلب مني العجوز أن أوقف السيارة في الداخل ، أمام المنزل مباشرة

    قام الاثنان بمساعدة السيدة على السير حتى دخلوا المنزل ، و أنا واقف أراقب إلى جانب سيارتي ... بعد قليل حضر العجوز و ناداني :

    " تفضل بالدخول يا ... ما قلت اسمك ؟ "

    " وليد ... وليد شاكر أيها العم "

    " تفضل يا وليد شاكر "

    ترددت قليلا ، إلا أنني آثرت البقاء معهم لبعض الوقت ، إذ لابد أنهم يودون معرفة شيء من تفاصيل موت نديم ، رحمه الله

    المنزل كان صغيرا و بسيطا ، و أثاثه عادي و قديم ، ما يعطي الزائر انطباعا عن المستوى المادي البسيط الذي تعيش به هذه العائلة الصغيرة .

    أخذني العجوز إلى الصالة الرئيسية في المنزل ، و بعد أن جلست بدأ يرحب بي ...

    " أهلا بك ... نحن شاكرون لك صنيعك النبيل "

    قلت :

    " لا داعي لأي شكر أيها العم ، لم أفعل شيئا "

    قال :

    " و كيف تشعر الآن ؟؟ هل تحسنت ؟؟ "

    " كثيرا و لله الحمد ، كل ما في الأمر أنني قضيت ساعات طويلة بلا نوم و لا طعام لذا داهمني الدوار و الإعياء ! "

    قال :

    " نعم أجل ... الطعام "

    و نهض و ذهب إلى غرفة مجاورة ، و عاد مع الفتاة ...

    الفتاة ألقت تحية علي ، و نطقت ببعض كلمات الترحيب ، ثم استأذنت ...

    و أخذنا أنا و العجوز نتحدث عن أمور متفرقة ، أتى ذكر نديم و مأساة وفاته في معرضها ...


    " لقد كنا نتوقع ذلك ، فجميع من سجنوا معه بلغتنا أنباء وفاتهم ، كل هذه السنين و نحن لسنا على يقين من حياته أو موته ... ليندا لم تفقد الأمل في عودته ذات يوم "

    كم شعرت بالأسى ... لأجل هذه العائلة البائسة ... التي عاشت محرومة من معيلها كل تلك السنين ، و بعد كل هذا الانتظار تكتشف أنه مات !

    كيف يفعلون هذا ؟؟ يسجنونه و يعذبونه و يقتلونه ، ثم لا يخبرون أهله بأنه مات ؟؟

    قلت :

    " يوم وفاته ... طلب مني نديم أن أزور عائلته و أطمئن على أحوال أهله ... كان ذلك قبل سنين ... أربع تقريبا ... إلا أنني ... "

    العجوز كان يراقبني باهتمام شعرت معه بالخجل ، و برغبة في الاختفاء في الحال !

    قال :

    " هانحن نعيش حياتنا و الحمد لله .. أدعوه أن يحفظ لي صحتي و قوتي لأرعى أختي و ابنتها "

    و هنا دخلت ( ابنتها ) تحمل صينية ملأى بالطعام ...

    وضعت الصينية على الطاولة الماثلة أمامي و عادت ترحب بي ... ثم قالت :

    " تفضل يا سيد وليد "

    و انصرفت

    شعرتُ بالخجل ... فأنا وسط عائلة غريبة علي ... أناس لم يسبق لي رؤيتهم قبل اليوم ... و هم على ما يبدو كرماء !

    " تفضل يا بني ... طعام خفيف لحين موعد العشاء "

    دهشت ! قلت :

    " العشاء !؟ "

    " نعم .. فأنت ستتناول عشاءك معنا هذه الليلة "

    " أوه كلا ... إنني ... إنني سأنصرف بعد قليل "

    و أصر العجوز على استضافتي ليس فقط على العشاء ، بل و للمبيت عندهم هذه الليلة !

    العشاء كان لذيذا جدا ، علمت أن الفتاة هي التي أعدته ! كما علمت أن حالة السيدة قد تحسنت كثيرا ، و لذا فإنها و ابنتها كذلك شاركتانا الجلسة و الأحاديث بعد الوجبة .

    الثلاثة يبدون متشابهين في المظهر ! جميعهم من السلاسة الشقراء !

    السيدة كانت تمطرني بالأسئلة عن نديم و ما حصل معه ، و أنا أحاول الإجابة بالقليل الذي لا يسبب لها انتكاسة ، إلا أنها مع ذلك أخذت تبكي ، و تبعتها ابنتها ...

    قالت الابنة بانفعال و هي لا تملك منع نفسها عن البكاء :

    " أرجوك يا أمي توقفي عن البكاء ... كنت تعرفين أنه لن يعود ... جميعنا نعلم أنهم و لا شك قتلوه ... الظلمة القساة الحقرة ... الأوغاد المجرمون ... احرقهم يا رب جميعا ... انتقم منهم فأنت العزيز ذو الانتقام ... و افعل بهم ما فعلوه بنا ... و أفظع "

    أما أنا فقد كنت أردد دعوتها عليهم في صدري ...

    يا رب انتقم منهم جميعا ...

    عاد بي شريط الذكريات إلى سنين السجن ... و عذاب السجن ... و الزنزانة ... و الطعام الرديء ... و الأسرّة المهترئة ... و الحشرات ! ... و الرائحة العفنة ... التي اختزنت في ذاكرة أنفي ! أكاد أشمها !

    رفعت يدي إلى أنفي كمن يريد منع رائحة كريهة من التسلل إلى تجويف أنفه ، فلامست أصابعي الحفرة الصغيرة التي تركها السجن علامة عليه ... شعرت بنار تتأجج في صدري ... نار كنت أخالها قد خمدت بعد هذه الشهور التي قضيتها خارج السجن ... إلا أنني ... و أنا أرى المناحة و البؤس و الدموع المنسكبة من أعين الأرملة و اليتيمة ... و أتذكر نديم و هو يحتضر ... و الكدمات و الجروح التي كانت تغطي جسمه أكثر من شعيرات جلده ... عقدت العزم على ألا تواتيني فرصة للنيل منهم إلا و اقتنصتها ...

    و من خلال الساعات التي قضيتها في تبادل الأحاديث معهم ، شعرت بقربي لهم و قربهم مني ... و كأنني وسط عائلتي ، و كأنني أعرفهم من سنين ...

    لقد ألفت ُ هذه العائلة و أحببتها في الله !

    في اليوم التالي ، و رغم أنني نمت باكرا كما نامت العائلة ، استيقظت قرابة الساعة الحادية عشرة ...

    كنت قد نمت في غرفة صغيرة في الطابق السفلي للمنزل مفترشا فراشا أرضيا بسيطا و ملتحفا ببطانية ثقيلة .

    على الأقل ، وفرت كلفة ليلة واحدة كنت سأبيتها في فندق أو ما شابه ...

    نهضت و خرجت من الغرفة و أنا أتنحنح ...

    بعد قليل ، كنت أقف في الصالة الرئيسية وحيدا ، تلفت من حولي فلم أشعر بأي حركة توحي بوجود كائن حي على مقربة مني !

    مضيت نحو المخرج ، و خرجت من المنزل راغبا في استنشاق الهواء العليل العابق برائحة الأشجار و الزهور ...

    كم كان منعشا و باعثا للنشاط !

    أخذت أتجول سيرا حول المنزل و في ممرات المزرعة ... و أتأمل الجمال الطبيعي من حولي ، و أستمع إلى غناء العصافير و أشاهد استعراضاتها الجميلة في السماء ...

    المكان كان غاية في الروعة ... و أي امرئ يقضي هنا سويعات معدودة ، لا شك أنه سيخرج بنفس مبتهجة و نفسية مرتاحة !

    فيما أنا أسير ... وجدت السيدة و الفتاة على مقربة ...

    كانتا ترتديان ملابس سوداء ... ربما حدادا على تأكيد موت نديم ، رحمه الله ... و كانتا تسحبان صناديق مليئة بالثمار ... تجرانها جرا ... إلى حيث تقف سيارة حوض زرقاء ، يعلو حوضها الرجل العجوز ،و يقوم بترتيب صناديق الثمار المكشوفة ، التي ترفعها السيدة و الفتاة متعاونتين و تضعانها في الحوض .
    تفعلان ذلك ، ثم تعودان لجر المزيد من الصناديق ...

    اقتربت من السيارة و ألقيت التحية على العجوز المنهمك في ترتيب الصناديق ، و يبدو أنه لم يسمع !

    تبعت السيدتين إلى حيث وجدت مجموعة من الصناديق المليئة بالثمار تنتظر دورها للشحن في السيارة ...

    و هاهما تسيران نحوي و تجر كل واحدة منهما صندوقا جديدا ...

    " صـ باح الخير "

    حييتهما فتركتا الصندوقين و ردتا التحية ، ثم قالت السيدة :

    " هل نمت جيدا ؟ أتمنى ألا يكون الفراش قد أتعبك ؟؟ "

    قلت :

    " على العكس ... نمت بعمق ... شكرا لكم جميعا "

    السيدة قالت مخاطبة ابنتها :

    " أروى اذهبي و أعدي الفطور لضيفنا "

    الفتاة نظرت إلى الصندوق ثم إلى أمها و قالت :

    " حسنا "

    و همت بالذهاب ...

    أنا قلت :

    " شكرا لكن لا داعي لذلك ... لا أشعر بالجوع الآن "

    قالت السيدة :

    " بلى ! سيكون فطورك جاهزا خلال دقائق ، و معذرة فأخي مشغول الآن لكن تصرف بحرية "

    ثم التفتت إلى الفتاة و قالت :

    " هيا أروى "

    الفتاة ذهبت في طريقها إلى المنزل ... و السيدة تابعت سحب صندوقها ...

    سرت أنا نحو الصندوق الآخر ، و حملته و نقلته إلى حوض السيارة ... فيما هي لا تزال تجر صندوقها !

    الآن انتبه العجوز إلي !

    " صباح الخير أيها العم "

    " أوه ! شاكر ... نهضت إذن ! لابد أنك كنت متعبا جدا ! صباح الخير "

    وضعت الصندوق في السيارة و قلت :

    " كنت ، لكنني الآن بحالة ممتازة و الحمد لله . شكرا لكم . اسمي وليد أيها العم !"

    سحب العجوز الصندوق ليصفه بنظام قرب أخوته ثم قال :

    " أجل تذكرت ! وليد . سآخذ هذه إلى السوق ، أتفضل انتظاري أو مرافقتي ؟ "

    نظرت ناحية السيدة المقبلة تجر الصندوق ، ثم إلى العجوز و قلت :

    " أفضل مساعدتكم ! "

    ثم بدأت بنقل الصناديق واحدا تلو الآخر ... و طلبت من العجوز أن يطلب من السيدة أن ترتاح ، فقد عاشت أزمة قلبية يوم أمس !

    أقبلت الفتاة بعد ذلك ، و رأتني أحمل أحد الصناديق ... فتعجبت ! ثم قالت :

    " طعامك جاهز أيها السيد ... تفضل إلى المنزل "

    و مضت نحو ما تبقى من الصناديق و جرّت أحدها ...

    وضعت ما بيدي في حوض السيارة ، و عدت ناحية الصناديق ...

    كانت الفتاة تجر صندوقها بجهد ... قلت :

    " دعي الأمر لي سيدتي أستطيع نقلها جميعا وحدي دون عناء "

    فتركت صندوقها و تنحت جانبا ، فحملته و نقلته إلى السيارة ، و سارت هي من بعدي حتى صارت واقفة إلى جوار والدتها ...

    انتهيت من مهمتي ، فشكرني الجميع ثم قالت السيدة الأم :

    " لقد برد فطورك ! أرجوك تفضل لتناوله "

    شعرت بالخجل ، و نظرت نحو الأرض بحياء ، فنادت السيدة على العجوز

    " إلياس ... تعال لتكرم ضيفنا ! "

    نزل العجوز أرضا ، و رافقنا نحو المنزل ...

    هناك جلست عند المائدة أتناول فطوري الشهي ، و إلى جانبي العجوز يشرب الشاي ، بينما السيدة و ابنتها تراقباننا عن بعد و تتابعان أحاديثنا !

    في معرض الحديث ، قال العجوز :

    " ليتني أعود لمثل شبابك و قوتك ! اخبرني ... ماذا تعمل ؟؟ "

    توقفت عن مضغ اللقمة الموجودة في فمي ، و ابتلعتها كما هي !

    قلت :

    " في الواقع أيها العم الطيب ... أنا عاطل عن العمل ! "

    دهش العجوز ، فأخبرته بأن تخرجي من السجن حال دون قبولي في الوظائف التي حاولت الالتحاق بها ، و أخبرته إنني هنا في المدينة الشمالية للبحث عن عمل ...

    قال :

    " شبّان هذه الأيام يحبون الوظائف المكتبية و الإدارية التي لا تتطلب منهم سوى الجلوس و تقليب الأوراق ! سيصعب عليك العثور على وظيفة كهذه في هذه المدينة ! "

    قلت :

    " سأجرب ! فإن فشلت ، عدت ُ من حيث أتيت ! "

    قال :

    " إذن ... ما هي خطتك الآن ؟؟ "

    قلت :

    " سأذهب إلى قلب المدينة ، استأجر شقة صغيرة ، و أبحث عن وظيفة ... عسى الله أن يوفقني هذه المرة "

    بعد ذلك رافقت العجوز إلى السوق ، حيث قام ببيع الثمار على أحد تجار الخضار و الفاكهة ، ثم عدنا إلى المزرعة ....

    حينما وصلت ، و فيما أنا في طريقي إلى سيارتي ، لمحت السيدتين واقفتين عند الأشجار ، تقطفان الثمار و تجمعانها في السلات و الصناديق ...

    نظرت إلى العجوز السائر جواري و قلت :

    " ألا يساعدكم أحد في العناية بهذه المزرعة ؟؟ "

    قال :

    " كلا ! نحن الثلاثة من يعتني بها ، لكننا نستأجر بعض العمال لقطف الثمار أو التنظيف أو ما إلى ذلك من حين لآخر ! "

    يا للحياة الشاقة التي تعيشها هذه العائلة !

    لو تعلم يا نديم ... !

    قلت :

    " دعوني أساعدكم قبل المغادرة ! "

    و بدأت العمل !

    قطفنا كميات كبيرة من الثمار ، و وزعناها على الصناديق ، و تركناها قرب بعضها البعض ، لحين الغد ، حيث سيتم نقلها إلى السيارة من جديد ...

    بعد ذلك قمنا بجمع الأوراق و الثمار المتساقطة و تنظيف الأرض !

    كل ذلك استغرق منا ساعات من العمل ، و كلما حاول العجوز ثنيي أو الاعتذار ، قلت له :

    " هذا واجبي ، و نديم يستحق أكثر من ذلك "

    بعد ذلك ، دخلنا إلى المنزل و من ثم تناولت وجبة الغداء المتأخرة مع العجوز الطيب ... ، شكرته على حسن ضيافته و وعدته بالعودة لزيارتهم كلما أمكنني ...
    و خرجت من المنزل و ركبت سيارتي الواقفة أمام المنزل ، و سرت بها ...

    عبرت على مجموعة الصناديق ، و فكرت ... في العناء الذي ستلاقيه السيدتان غدا في نقلها إلى السيارة الزرقاء ... غدا و بعده و كل يوم ... اعتقد أن من واجبي تقديم المزيد من المساعدة لهذه العائلة التي أوصاني صديقي الراحل بها خيرا

    أوقفت السيارة و عمدت إلى الصناديق و جعلت انقلها إلى السيارة الزرقاء المركونة على مقربة ، واحدا تلو الآخر ... دون علم أحد !

    الشمس كانت على وشك المغيب ... لم أكن أشعر بأي تعب أو إعياء يذكر ، كما و أن آلام معدتي قد اختفت تقريبا بعد العلاج السحري الذي وصفه لي الطبيب ! أو ربما العلاج السحري في هذه المزرعة الجميلة و مناظر الطبيعة الخلابة ، و الهواء المنعش ...

    كم أنا سعيد لأنني استطعت خلال الساعات الماضية طرد آلامي الجسدية و النفسية ... و أفكاري المهمومة ... بما فيها الخائنة رغد !

    رغد ...

    ما تراك تفعلين الآن ؟؟؟

    و ما تراك فعلت ِ بعد علمك برحيلي ؟؟

    ما تراك فاعلة إن علمت ِ أنني لن أعود إليك مرة أخرى ... و أنني في سبيل الابتعاد عنك مستعد لهجر أهلي للأبد ؟؟؟

    " ماذا تفعل ! "

    روعتُ فجأة حين سمعت صوتا آت ٍ من خلفي ، و استدرت بفزع !

    كانت ابنة نديم !

    كنت أحمل الصندوق على ذراعي و أسير نحو السيارة الزرقاء ، و أفكر برغد !

    ثم وجدت نفسي في موقف لا أحسد عليه ، أمام ابنة نديم ... تنظر نحوي بدهشة !

    تتأتأتُ في الحديث ، قلت :

    " أأأ ... فكرت في ... بما أنني لازلت هنا ... يمكنني المساعدة قبل ... معذرة فأنا لم أقصد سوءا ! "

    و خفضت بصري نحو الأرض ...

    شعرت بثقل الصندوق فوق يدي ، فرفعته أكثر ، ثم اعتذرت ، و ذهبت إلى السيارة لأضعه فيها ...

    الفتاة تبعتني ، و أخذت تنظر إلى الصناديق الموضوعة في السيارة بتعجب !

    قالت :

    " لم كلّفت نفسك عناء كل هذا !؟ لم يكن واجبا عليك ذلك ! "

    قلت :

    " بلى ... من واجبي و من دواعي سروري أيضا ! نديم كان صديقي الحميم في السجن ... ليتني أملك أكثر من هذا لأفعله من أجله ... و أجل عائلته "

    الفتاة قالت بعد صمت قصير :

    " شكرا لك ... أنت رجل نبيل "


    و صمتت تارة أخرى ، ثم قالت :

    " لماذا دخلت السجن ؟؟ "

    و لما لم تجد مني جوابا ، قالت :

    " اعتذر ... تجاهل سؤالي إن كان يزعجك ... "

    أنا كنت في غاية الاضطراب ، هناك مواقف كثيرة في الحياة لا أعرف التصرف حيالها ، و هذا أحدها !

    سرت إلى الصناديق و تابعت عملي بصمت و هدوء ، و إن كان داخلي متوترا مضطربا ، و الفتاة واقفة على مقربة !

    متى تنقشعين !؟

    يبدو أنها امرأة قوية و جريئة !

    ربما لأن أمها ـ و كذلك خالها ـ من أصل بلدة أخرى ... ذات طباع و شخصيات أخرى ... غريبة و مختلفة عما تعودت أنا عليه !

    بعد فراغي من نقل الصناديق ، قالت لي :

    " شكرا لك يا سيد وليد ... والدي يعرف كيف يختار أصدقاءه ... "

    قلت بخجل :

    " العفو ... سيدتي "

    ثم ابتعدت و أنا أقول :

    " مع السلامة "

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~
    " وقعت ِ أخيرا ! "

    صاحت نهلة بصوتها العالي و هي تشير بإصبعها نحوي ، و تضيق الحصار علي !

    تلفت من حولي و قلت :

    " نهلة أرجوك ! اخفضي صوتك ! لابد أن أمي تسمعه في المطبخ ! "

    نهلة أقبلت نحوي و هي لا تزال تمد بسبابتها نحوي حتى تكاد تفقأ عيني !

    قالت بحدة و مكر :

    " اعترفي يا رغد ... لن يجدي الإنكار أو المواراة ! أنت مهووسة بابن عمّك ! "

    مددت يدي و أمسكت بعنقها و ضغطت عليه !

    " سأخنقك ِ يا نهلة ّ "


    نهلة الأخرى طوقت عنقي بيديها و قالت تمثل دور المخنوقة :

    " سأنطق بالحق حتى النفَس الأخير ... رغد تحب ابن عمّها وليد... دون أن تدرك اللهم إني بلّغت ، اللهم فاشهد ! "

    و بالفعل كدتُ أخنق هذه الفتاة !

    طرقُ على الباب منع جريمتي من الوقوع !

    تركت عنق ابن خالتي و مضيت ُ لفتح الباب ... كانت دانه !

    " رغد ... وليد على الهاتف ! إن كنت ِ ترغبين بإلقاء التحية ! "

    حدّقت ُ بها لثوان شبة واعية لما قالت ، ثم انطلقت مسرعة إلى حيث كانت والدتي تمسك بسماعة الهاتف و تتحدث إلى وليد ...

    عندما رأتني أمي قالت له :

    " بني ... هذه رغد ترغب في التحدث معك "

    و مدت السماعة إلي ...

    أخذت السماعة و ألصقتها في إذني و فمي ! بقيت صامتة لثانيتين ، ثم قلت :

    " وليد ؟؟ "

    أستوثق من كونه هو من على الطرف الآخر ...

    صوت وليد وصلني خافتا مترددا و هو يقول :

    " مرحبا ... صغيرتي "

    بمجرد أن سمعت صوته ، انفجرت !

    قلت بصرخة منطلقة مندفعة قوية حادة مجنونة :

    " كذّاااااااااااااب "

    و أعدت السماعة بسرعة إلى والدتي ، و جريت نحو غرفتي ، و صفعت الباب و أوصدته بانفعال !

    نهلة أخذت تنظر إلي بذهول و استغراب ...

    " رغد !؟؟ "

    صرخت بانفعال ...

    " رغد تكره وليد .... أفهمت ِ ؟؟ تكرهه ... تكرهه ... تكرهه "

    و لم أتمالك منع دموعي من الانسياب بغزارة من محجري ...

    و مضيت إلى سريري فجلست و سحبت الوسادة ، و غمرت وجهي فيها ... حتى كدت اختنق !


    بعد قليل ، نهلة ربتت على كتفي و قالت :

    " نعم ... مفهوم "
    أبعدت أنا الوسادة عن وجهي و تنفست الصعداء ... و سمحت لنظرات نهلة باختراقي مباشرة ... الدموع كانت تجري بانسياب مبللة كل ما تصادفه في طريقها ...

    " عزيزتي ... "

    ما أن قالت نهلة ذلك حتى انهرت تماما ... و رميت برأسي في حضنها و طوقتها بذراعي باستسلام و أسى ... قلت و أنا في غمرة الحزن ... في لحظة صدق و اعتراف

    " لماذا رحل دون وداعي ؟؟ لماذا كذب علي ؟؟ لماذا كذبوا كلهم علي ؟؟ أخبروني بأنه لن يعود ... لكنه عاد ... لكنه تركني ... لم يعد يهتم بي ... لأنني سأتزوج سامر ... لكني لا أحب سامر ... لا أحبه ... "

    و أبعدت ُ وجهي عن حضنها و نظرت إليها باستنجاد مرير ...

    " نهلة ... أنا ... لا أحب سامر ... أنا ... لا أريد أن أتزوج منه "

    نهلة وضعت يدها بسرعة على فمي لكتم كلماتي ، و تلفتت ، ثم عادت تنظر إلي ...

    قالت :

    " اخفضي صوتك ... "

    شعرت باليأس و فقدِ الأمل ... و طأطأت برأسي أرضا باستسلام لحكم القدر ...

    كيف لي أن أقول هذا ... و لا تفصلني عن موعد الزفاف غير أسابيع ؟؟

    لا يحق لي حتى مجرد التفكير ... فقد قضي الأمر ... و انتهى كل شيء ...

    بعدما هدأت من نوبة بكائي ... و لزمت و نهلة الصمت لعدة دقائق ، قالت هي :

    " رغد ... لم يفت الأوان بعد ... دعي أمي تتدخل و توقف هذا الزواج في الحال "

    هززت رأسي نفيا و اعتراضا و قلت بعدها :

    " لا ... كلا كلا ... نهلة إياك و الإقدام على هذا ... "

    " لكن يا رغد ... "

    " أرجوك نهلة ... لا تفسدي علي الأمور ... لقد فات الأوان ... و انتهى كل شيء ... لا تضعيني في موقف كهذا مع أمي و سامر و الجميع ... "

    نهلة أمسكت بيدي و قالت :

    " لكن... أنت لا تحبين سامر ! إنك لا ترغبين في الزواج منه ! كيف تربطين مصيرك به ؟ "

    " قدري و نصيبي "

    " و وليد ؟؟ "

    وقفت ببطء ... و استسلام ... و أنا أتذكر تلك الليلة ، حين وعدني و أقسم بألا يرحل دون علمي ، ثم نقض الوعد و القسم ... مستغفلا إياي بعلبة بوظة !

    قلت :

    " لم يعد له وجود ... أو داع للوجود "

    طُرق الباب مجددا ، فتوجهت لفتحه فإذا بها أمي ...

    أمي حملقت في عيني المحمرتين برهة ثم قالت :

    " رغد ... أهناك شيء ؟؟ "

    واريت أنظاري تحت الأرض ، و قلت :

    " لا ... لا شيء "

    و حين رفعت نظري إليها وجدتها تنظر إلي بتشكك ...

    هربت من نظراتها و نظرت إلى ابنة خالتي ... و التي بدورها قالت :

    " يجب أن أذهب الآن ... "

    و ذهبت إلى المرآة ترتب حجابها و عباءتها ...

    قلت :

    " نهلة ! كلا لن تذهبي الآن ! "

    قالت :

    " لدى سارة دروس تستصعبها و هي تنتظرني لتعليمها الآن ! ... "

    قالت أمي :

    " لا يزال الوقت مبكرا ... ابقي للعشاء معنا "

    ابتسمت نهلة و قالت و هي تحرك يدها عند نحرها :

    " ستذبحني سارة إن تأخرت أكثر ! "

    رافقتها إلى الباب الخارجي ، و قلت لها قبل أن تنصرف :

    " نهلة ... لا تذكري ما دار بيننا على مسمع من أحد ... أرجوك "

    نهلة ابتسمت ابتسامة مطمئنة ، ثم غادرت ...

    عندما عدت إلى غرفتي وجدت دانة هناك !

    ما أن رأتني حتى بادرت بسؤالي :

    " بربك رغد ! ماذا تقصدين من تصرفك الأحمق هذا ؟؟ لقد كادت السماعة أن تتصدع من صرختك ! أخشى أن تكوني قد أحرقت الأسلاك بين المدينتين ! "

    لم يكن لدي مزاج مناسب للجدال مع دانة هذه الساعة ، قلت بنفس ٍ متضايقة:

    " أخرجي دانة ، أريد البقاء وحدي "

    دانة نظرت إلي باستنكار ، ثم قالت :

    " لا تطاقين يا رغد ! متى أتزوج و أتخلص منك ! "

    ثم مضت مغادرة ، و قبل أن تخرج قلت :

    " قريبا يا ابنة عمي ... ماذا بعد ؟؟ أهذا يكفي ؟؟ "

    و صفعتُ الباب خلفها ...

    اعتقد أن تصرفاتي لم تكن لائقة لهذا اليوم ، بل و منذ رحيل وليد و أنا في حالة عجيبة ... عصبية دائما ، حزينة دائما ، ضائقة الصدر ... منعزلة في غرفتي ... فاقدة الاهتمام بأي شيء من حولي حتى الرسم ...

    و مع مرور الأيام ازدادت حالتي سوءا ... و بدأ العد التنازلي لموعد الزفاف ... لموعد النهاية ... لموعد الحلقة الأخيرة من مسلسل حياتي التعيسة ...

    لو كان لي أم ... لو كان لي أم تخصني أنا ... لا تكون هي أم سامر ... لكنت أخبرتها بكل ما يختلج صدري من مشاعر ...

    لكنت أخبرتها بما أريد و ما لا أريد ...

    أمي هذه ، أم سامر خطيبي ... العريس المتلهف للزفاف ، و إن حاولتْ التحدث معي ، أتحاشاها و اخفي في صدري ما لم أعد قادرة على كتمانه ...

    كيف لي أن أخبرها بأنني لا أريد أن أتزوج من ابنها ، الذي خطبت ُ له منذ أربع سنين !؟

    كيف سيكون موقفي من سامر ... و أبي ...و الجميع ...

    و لماذا أفعل هذا بهم ؟؟

    أيكون هذا جزاء من آووني و رعوني كل هذه السنين ، التي لم أشعر فيها أبدا بأنني يتيمة الأبوين ...؟؟

    عدا عن ذلك ...

    فأي رجل سأتزوج ما لم أتزوج سامر ؟؟ من سأعطيه ثقتي المطلقة مثله ... ؟

    حسام الذي لا يختلف عنه كثيرا ؟؟

    أم ... وليد ...الذي ...

    الذي ... لم أعد أعني له شيئا ...؟؟

    وليد ... الكذاب !
    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    كذاب !

    كلمة قاسية هزتني و أربكتني حتى كدت معها أوقع هاتفي من يدي ...
    لها الحق بنعتي بهذه الصفة .. ألم أعدها ألا أرحل بدون علمها ثم رحلت ؟؟؟
    لكن لماذا تأثرت ْ هي كثيرا من ذلك ؟؟
    ماذا كان يفرق لديها ... بقائي من رحيلي ؟؟
    أم تظنني سأبقى أرعاها و أدللها كما كنت في السابق ، فيما هي زوجة لأخي !

    الخائنان !

    كنت في سيارتي في طريقي إلى الشقة الصغيرة التي استأجرتها ، و دفعت مبلغا لا بأس به لأجل ذلك ، على الرغم من نقودي المحدودة التي تتضاءل يوما بعد يوم .

    بحثت جاهدا عن وظيفة في هذه البلدة ، و كلما صادفت أعلانا عن وظيفة شاغرة في الصحف بادرت بالاتصال ، رغم أنني لا استوفي شيئا من الشروط المطلوبة ...

    كانت أيام سبعة قد انقضت منذ وصولي إلى هذه البلدة ، و هي فترة قصيرة طبعا ، إلا أنني شعرت بملل و وحدة قاتلين ... و فكرت في العودة إلى مزرعة نديم !

    إنني أشعر بأن أهل نديم هم أهلي ... و إن لهم حق واجب علي ... و علي تأديته ...

    لذا ، فإنني غادرت الشقة ، ذهبت إليهم ... في اليوم التالي .

    عندما وصلت ، كانت ابنة نديم هي أول من التقيت به ...

    الفتاة كانت جالسة بين مجموعة من الصناديق الخشبية ، منهمكة في إصلاح و تجبير كسورها بالمطرقة و المسامير !

    ألقيت التحية فلم تسمعني ، فعدت أحيي بصوت مرتفع فانتبهت لي ...

    رمت الفتاة بالمطرقة جانبا و نهضت واقفة و قالت :

    " مرحبا بك أيها السيد النبيل ... "

    هبطت ببصري أرضا و قلت :

    " كيف أحوالكم ؟ "

    " الحمد لله . ماذا عنك ؟ "

    " بخير سيدتي . ... هل العم إلياس موجود ؟ "

    " خالي ذهب لجلب بعض الأشياء ... سيعود قريبا ... تفضل "

    و أرادت مني أن اتبعها إلى المنزل ، لكنني قلت :

    " سوف أنتظر العم ... إذا لم يكن في ذلك ما يزعجكما ؟ "

    قالت :

    " لا بأس ، أهلا بك ... سوف أخبر والدتي عن مقدمك "

    و ذهبت مسرعة إلى المنزل ...

    أنا جعلت أتأمل طابور الصناديق المكسورة التي تنتظر دورها في التجبير !

    إنها مهمة شاقة لا تناسب المرأة !

    أليس كذلك ؟؟

    بعد قليل أتت السيدة الأم مع ابنتها ، ترحب بي بحرارة و كأنها تعرفني منذ زمن !

    شعرت بالخجل من ذلك ، و لكن يبدو أنه وضع مألوف لدى هذه العائلة الغريبة !

    قلت و أنا أنظر ناحية الصناديق :

    " دعاني أتولى ذلك "

    طبعا السيدتان اعترضتا ألا أنني قلت :

    " ريثما يعود العم إلياس "

    و رغم أنها المرة الأولى التي أقوم فيها باستخدام المطرقة و المسامير ، ألا أنني أتقنت العمل !

    في الواقع ، شعرت بالخزي من نفسي ... فأنا عاطل عن العمل أتسكع في المدن و الشوارع ، بينما تقوم فتاة شابة في العشرينات بإصلاح كسور صناديق خشبية ، و قطف الثمار ، و حمل الصناديق الثقيلة ، و الحرث و الزرع و ما إلى ذلك ...

    أمر مخز بالفعل !

    بعد قليل وصل العم إلياس و ما أن رآني حتى أسرع نحوي يريد أخذ المطرقة من يدي ...

    قلت :

    " مرحبا أيها العم الطيب ! لا تقلق ... إنه عمل يسعدني كثيرا ! "

    اعتقد أنه شعر بالخجل ، و رحب بي بحرارة تفوق حرارة ترحيب الأخريين ، و تمتم بعبارات الشكر و بسيل من الدعوات و الأماني !

    أنهيت عملي خلال ساعة ... أمطرني الجميع بكلمات الشكر اللانهائية ... شعرت حينها بأنني شخص ذو قيمة و أهمية و قدرة على العمل و إفادة الآخرين ... بعد شهور التفاهة و البطالة و التشتت التي قضيتها ...

    قال العجوز :

    " أعطاك الله القوة و الصحة يا بني ، آمل أن تكون قد وفقت في العثور على وظيفة تلائمك ؟؟ "

    قلت :

    " ليس بعد ! "

    قال :

    " إذن ؟؟ "

    قلت :

    " هل ... أجد عندكم عملا مقابل المأوى و الطعام فقط ، إلى أن أجد وظيفة ملائمة ؟؟ "

    ستة أسابيع مضت منذ أن اقتحمت عالم الفلاحة ، و أصبحت مزارعا !

    شيء لم أكن أحلم به أو أتخيله حتى يمر ببالي مرورا عابرا ... فقد كنت أحلم بأن أصبح رجل أعمال مهم ... مثل صديقي سيف ...

    في كل صباح ، كنت أقوم بحرث الأرض ، و زرع البذور ، و قطف الثمار و تنظيف المزرعة ، و إصلاح كل مكسور ، الصناديق ... أنابيب المياه ، الأغصان !
    و قبيل الظهيرة أذهب لبيع ثمار اليوم في سوق الفاكهة ، و حين أعود أتابع العمل في هذا الشيء أو ذاك ... عمل شبه مستمر حتى غروب الشمس ...

    وجباتي الثلاث كنت أتناولها إما مع العم إلياس أو في الغرفة الجانبية التي خصصت لي ، خارج المنزل ...

    رغم أنه كان عملا شاقا ألا أنني سررت به كثيرا بل و وجدت فيه ذاتي التائهة ... و تعلقت بعائلتي الجديدة كما تعلقت هي بي ...

    أما عن صحتي ، فقد تحسنت كثيرا مع تحسن نفسيتي ، و اختفت الآلام تقريبا و كسبت عدة أرطال من الوزن !

    و أفضل ما في الأمر ... أنني تقريبا أقلعت ُ عن التدخين !

    اليوم تلقيت اتصالا من والدي يخبرني فيه بأنه و أمي سيسافران لأداء الحج بعد الغد ، و يرغبان في رؤيتي ... أمر يتطلب مني العودة إلى المنزل رغما عني ...
    أمر ٌ و إن كان صعبا فإن علي تحمله من أجل رؤيتهما ... ليلة واحدة فقط ثم أرحل عن ذلك المنزل و من به !

    هكذا كان تفكيري قبل أن يقول أبي :

    " و لأن سامر لا يستطيع أخذ إجازة لكونه حجز أجازته بعد عودتنا من أجل الزواج ، فلا بد من بقائك هنا حتى نعود ! "

    قلبت الأفكار في رأسي و وجدتها مهمة يصعب علي تحملها ، فقلت :

    " لا أستطيع ذلك يا أبتي ... سآتي من أجل تحيتكما فقط ... "

    قال :

    " و من يبقى لرعاية المنزل و الفتاتين إذن ؟؟ "

    أنا ؟؟

    أأعود أنا لأرعى تلك الخائنة من جديد ، و أعيش معها أيام استعدادها للزفاف ؟؟
    لم تبق غير أسابيع ثلاثة عن ذلك الموعد المشؤوم ! إنني أفضل السفر إلى المريخ أو المشتري على العودة إليها ... ومشاهدتها عروسا تودع العزوبية !

    " لا يمكنني ... يا أبي ... "

    " في حال كهذه ... لا أملك غير تأجيل حجي للعام المقبل ! "

    " أوه كلا أبي ... مادمتما قد عقدتما العزم ... فتوكلا على الله ! "

    " و الفتاتان ؟؟ أ أتركهما وحدهما في البيت ؟؟ مستحيل طبعا "

    أشياء كثيرة تبدو مستحيلة جدا ، ألا أنك حين توضع في وجه التيار ، تجد نفسك مضطرا لتنفيذها رغما عن أنفك ، مستقيما كان أو معقوفا !
    خلاصة القول ، رضخت للأمر ... و وافقت على العودة إلى جهنم,
    كنت أرتب أشيائي في حقيبة سيارتي حين أقبل العم و معه الآنسة أروى ، ابنة نديم و وقفا يراقباني ...

    قال العم :
    " نحن محزونون لفراقك ... أرجوك أن تعود إلينا من جديد فوجودك عنى الكثير "
    ابتسمت له بفرح ، و قلت :
    " بالطبع سأعود يا عمي ، إن شاء الله ... ما أن يعود والداي من الحج حتى أوافيكم من جديد ... هنا عملي و في أي قطر من أقطار الأرض لن أجد الراحة كما أجدها هنا "
    و هي حقيقة أدركها ... تماما
    قالت أروى :
    " نتمنى أن تحضر عائلتك لزيارتنا ذات يوم ! هلا ّ فعلت ؟؟ "
    قلت :
    " سأرى ما إذا كان ذلك ممكنا ... "
    قالت :
    " ألديك شقيقات؟"
    قلت :
    " نعم ، واحدة فقط ، و شقيق واحد فقط أيضا "
    قالت :
    " أحضرها لزيارتنا ذات يوم ... سيعجبها المكان كثيرا "
    " أنا واثق من ذلك"
    و أغلقت حقيبة سيارتي ، ثم فتحت الباب و قلت مودعا :
    " نلتقي على خير إن شاء الله بعد أسبوعين ... دعوا الأعمال الشاقة لأنجزها حين أعود "
    و ابتسم العم ، و كذلك ابتسمت أروى ... ثم لوّحت بيدها مودعة ... !

    أروى نديم ... فتاة قوية ... شخصية مميزة تستحق التقدير ... !
    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~
    أجلس أمام التلفاز في غرفة الضيوف أشاهد برنامجا ترفيهيا ، عل ّ ذلك يفيد في طرد الأفكار التعيسة من رأسي ...

    تركت الجميع مجتمعين في غرفة المعيشة يتناقشون بشأن العرس ، و أنا أشاهد برنامجا سخيفا لا أهدف منه إلا شغل نفسي بشيء أبعد ما يكون عن ... وليد .

    في أي لحظة قد يصل ...

    لا لست أرتقب حضوره ، فلم يعد يهمني ذلك ، بل على العكس ، لازلت ألح على سامر ليبقى هو معنا خلال الأسبوعين اللذين سيغيبهما والداي ... في الحج ...

    أقبل سامر الآن يحمل كأس عصير برتقال ، يقدمه لي !

    " عروسي ... تفضلي هذا "

    أخذت العصير و شكرته و قلت :
    " لم تحضره بنفسك ! ؟ "

    ابتسم و قال :
    " عروسي و أحب تدليلها ! لم تجلسين وحدك هنا ؟ إننا نشرب العصير في غرفة المعيشة و نتحدث بشأن الحفلة ! "
    ازدردت شيئا من العصير ، ثم وضعته على المنضدة التي بجانبي و عدت أتابع البرنامج متظاهرة بالاهتمام و الاندماج ...
    سامر جلس على المقعد المجاور و أخذ يشاهد البرنامج بضع دقائق ، و أظنه استسخفه !

    قال :
    " لو كان باستطاعتي الحصول على إجازة أطول ، لكنت بقيت هذين الأسبوعين معك ... "

    قلت في نفسي :
    ألا يكفي أنني عشت منذ طفولتي معك ، و سأقضي بقية حياتي معك ... ؟؟ إنهما أسبوعان ليس إلا ! ألا تسأم منّي !!؟؟

    الآن أمسك بيدي و قال :
    " ثلاثة أسابيع فقط ... كم أنا متلهف لذلك الحين ! "
    سحبت يدي من بين يديه و أمسكت بكأس العصير ، و رشفت رشفتين ، و أبقيته بين يدي حتى لا يعود لمسكي !
    قال :
    " فيم تفكرين ؟؟ "
    التفت إليه أخيرا ... إذ أنني طوال الوقت كنت أتظاهر بمتابعة البرنامج ، قلت :
    " مندمجة مع التلفاز ! "
    سامر هز رأسه تكذيبا ، و قال :
    " بل أنت في مكان آخر ! "
    لم أستطع نفي الحقيقة ... فنظرت إلى كأس العصير ، و جعلت أهزه بعض الشيء ...

    قال سامر :
    " تختلفين عن دانة ... فهي متحمسة جدا للعرس ! أهناك ما يقلقك عزيزتي ؟؟ "

    التزمت الصمت ، ما عساي أن أقول ؟؟؟
    نعم هناك ما يكاد يخنقني !
    أنا لا أريد الزواج منك ! هلا ّ أعفيتني من هذه المهمة الأبدية لو سمحت ؟؟
    سامر أمسك بيدي الممسكتين بكأس العصير و قال :

    " لا تقلقي ! كل شيء سيكون على ما يرام ! و ستكونين أجمل من دانه حتما ! "
    في هذه اللحظة سمعنا تنحنحا فالتفتنا ناحية الباب ، و رأينا دانة تقف و تراقبنا باستنكار ... !

    بمجرد أن نظرنا إليها قالت بحنق :
    " سامر ! الويل لك ! من هي الأجمل مني ؟؟ سأريك ! "

    سامر ضحك و سحب يديه عن يدي و قال :
    " أنا أعني فتاة أخرى تدعى دانة ستتزوج في نفس ليلتنا ! "

    قالت دانة :
    " آه نعم صدّقتك ! أجل أعرفها ... و لها شقيق اسمه سامر ستقتله بعد دقيقتين ، و آخر اسمه وليد وصل إلى البيت قبل دقيقتين ! "
    جفلت ، و توجس فؤادي خيفة ... سأل سامر منفعلا :
    " هل وصل وليد حقا ؟؟ "
    قالت :
    " نعم وصل ! إنه في غرفة المعيشة ! "

    عادة ً ما أحس بالحرارة لدى ذكر وليد على مسمعي أو في خاطري ، إلا أنني الآن شعرت بالبرودة !
    البرودة في رجلي بالتحديد ... لأن كأس العصير البارد انزلق من يدي المرتعشتين و انسكب محتواه على ملابسي و رجلي !

    دانة لاحظت وقوع الكأس من يدي ، قالت :
    " ماذا فعلتِ ! أوه ... العصير الذي تعبت ُ في إعداده ! "
    وقفت أنا و وقف سامر و أخذت أحدق في البقعة التي ظهرت على ملابسي !
    أهذا وقته ؟؟
    سامر قال :
    " فداك ! "
    ثم التفت إلى دانة و قال ...
    " إلى وليد ! "
    و ذهب مسرعا ليحيي شقيقه ...
    دانة قالت و هي تنظر إلى ملابسي بشيء من السخرية :
    " ألن تأتي لتحيته ؟؟ "
    قلت :
    " سأبدل ملابسي ... "
    و مضيت نحو الباب فلما صرت قربها قلت :
    " أرجو أن تغلقي باب غرفة الضيوف فأنا لا أضع حجابي "

    دانة ذهبت إلى غرفة الضيوف ، فدخلت و أغلقت الباب ، بينما صعدت أنا ليس فقط لتبديل ملابسي ، بل و للاستحمام ، و غسل ملابسي ، و غسل عباءتي أيضا ، و عصرها ، و كيها كذلك !
    شغلت نفسي بكل شيء و أي شيء يؤجل موعد اللقاء المحتوم ...
    من قال أنني أريد أن أذهب للقائه ؟؟ من قال أنني أتحرق شوقا لرؤيته ؟؟
    أنا لا أريد رؤية وجهه ثانية ... أبدا !
    مضت ساعة و نصف ، و أنا في غرفتي أؤدي كل ما تقاعست عن تأديته خلال الأسابيع الماضية !

    ألست ُ عروسا على وشك الزواج ؟؟

    لا ألام إذن إن أنا اعتنيت ببشرة وجهي ، و وضعت عليها الكريمات و المرطبات و المعالجات كلها واحدا تلو الآخر !
    و بعدما فرغت منها ، و قفت أمام المرآة ... مصرة على تجريب علبة الماكياج الجديدة التي اقتنيتها مؤخرا !
    أليس هذا من حقي ؟؟؟
    طرق الباب و سمعت صوت دانة تناديني فأذنت لها بالدخول ...
    دخلت و فوجئت بما كنت أصنع ! نظرت إلي بتعجب ... و قالت :
    " بربك ! ما ذا تفعلين ؟؟ "
    قلت و أنا أمشط رموش عيني بدقة :
    " أتزين ! ما ترين !؟ "
    قالت :
    " تتزينين ! الآن ؟؟ "
    قلت :
    " ماذا في ذلك ؟؟
    قالت :
    " ألن تأتي لإلقاء التحية على وليد ؟؟ إنه يسأل عنك ! "
    قلت :
    " و أنا هكذا ؟ لا طبعا ... بلغيه تحياتي ... "

    ثم انغمست في تلوين وجهي كما ألون لوحة أرسمها ... بمهارة ...
    دانة كانت تحدثني باستنكار ، إلا أنها في النهاية تركتني و انصرفت ، و بمجرد ذهابها أقفلت الباب ، و رميت بالفرشاة جانبا و ارتميت على سريري ....
    لماذا أتصرف بهذا الشكل الغبي ؟؟
    لم أعد أفهم نفسي ... ألم أكن متلهفة لرؤيته ؟؟
    ماذا جرى لي الآن ؟؟

    جلست ، و نظرت من حولي فوجدت لوحات رسمي المتراكمة فوق بعضها البعض ... ذهبت إليها و استخرجت منها صورة وليد ... ذي العينين الحمراوين و الأنف المعقوف ...

    لماذا لا يزال هنا معي ؟؟ لمَ لمْ أتخلص من هذه الصورة ؟؟
    لماذا لا أحس بالحرارة الآن ؟؟
    كم كان شعورا جميلا ... رائعا ...
    و انتهى ...

    و إن ْ هربت كل تلك المدة لم يكن باستطاعتي البقاء حبيسة الغرفة دون أن يستغرب البقية ذلك و يقلقون ...
    أتت أمي إلي ، فتحت الباب لها فنظرتْ إلي ببعض الدهشة !
    " رغد ... أتنوين استقبال أو زيارة إحدى صديقاتك ؟؟ "
    " أنا ؟؟ لا أبدا "
    " إذن ... لم هذه الزينة ! "
    حتى أنتِ يا أمي ؟؟
    هل يجب أن أتزين فقط و فقط حين أقابل صديقاتي ؟؟ لماذا تبقى دانة بكامل زينتها معظم الأوقات !
    قلت :
    " هل هذا عيب !؟ أم ممنوع ؟؟ "
    قالت :
    " لا لم أقصد ، لكنك لا تفعلين هذا في العادة إلا لسبب ! "
    قلت "
    " كيف أبدو ؟"
    قالت :
    " جميلة طبعا ... لكن أو لن تأتي ... لتحية وليد ؟؟ "
    صمت أنا لبرهة ثم قلت :
    " لم يرغب في وداعي, إذن ... لا أرغب في استقباله, أنا لا أطيق مجالسة الكذابين "

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    الحلقة الحادية و العشرون

    مُساهمة  littledoctor في السبت 23 يوليو 2011 - 1:26

    الحلقةالحاديةوالعشرون
    ********************

    عندما اقتربت من المنزل اتصلت بهاتفه فأجابني والدي ، و أخبرته أنني قد وصلت ...
    والدي خرج لاستقبالي عند باب السور الخارجي للمنزل ، و طبعا استقبلني استقبالا شديد الحرارة !
    بعدها ذهبت معه إلى غرفة المعيشة حيث وجدت أمي و أختي دانة ، و اللتين بدورهما رحبتا بي ترحيبا حميما ...
    ثم ذهبت دانة لإبلاغ البقية عن وصولي
    و البقية تعني : سامر + رغد
    قالت :
    " إنهما يختبئان في غرفة الضيوف ! سأفاجئهما ! "
    كانت مازحة ، أو ربما جادة ، في كلا الحالتين هذا يشعرني بالانزعاج ... من أول لحظة !
    جلست مع والدي ّ و سكبت لي أمي عصير البرتقال الطازج في أحد الكؤوس و قدمته لي ...
    " تفضل بني ...هذا نصيبك "
    نصيبي ؟؟ هل كانوا يحسبون لي حسابا ؟؟ إني أرى أربعة كؤوس شُرب محتواها ، و هذا كأسي الخامس ...
    بعد قليل أقبل أخي سامر فاتحا ذراعيه ...
    قمت و عانقته ، و منها شعرت بأول آلام المعدة !
    قال :
    " ما شاء الله ! ماذا كنت تأكل يا رجل ! إنك تنتفخ مرة بعد مرة ! "
    الجميع ضحك ، و تمتمت والدتي بعبارات التهليل و التكبير و الصلوات !
    قلت :
    " هل أبدو سمينا لهذا الحد ؟؟ "
    قال سامر :
    " سمين ؟ لا ! بل عظيم البنية و مفتول العضلات ! يا رجل هل كنت تمارس رياضة حمل الأثقال أم ماذا ؟؟ "
    قلت :
    " كنت آكل بقرة مشوية كاملة كل يوم ! "
    و هنا أقبلت دانة فدخلت و أغلقت الباب من بعدها و قالت مداعبة و موجهة حديثها إلى أبي :
    " سيسبب لنا الإفلاس ! هات مصروفا آخر ! "
    أبي قال و هو يضحك :
    " أفلست ُ بسببك يا ابنتي ! أما كفاك كل ما أخذت ؟؟ "
    قالت و هي تضحك :
    " من قال لك أن تزوّج ثلاثة أبناء دفعة واحدة ! ؟ "
    قال سامر :
    " ما ذا لو انضم الكبير إلينا ! ؟ "
    يقصدني بذلك !
    أمي ابتسمت و نظرت إلي و قالت :
    " دعوا الكبير لي ! لن أسلمه لامرأة ما و أنا لم أتهنى بعد به ! "
    و ضحكنا جميعا ...
    ربما هم يضحكون من قلوبهم لكنني أضحك مجاراة لهم ...
    و أدور بعيني فيما بينهم ... و أشعر بشيء ناقص ...
    طبعا تعرفون ما أعني !
    الصغيرة المدللة لم تأت ِ لتحيتي و لا للعشاء معنا ، و الساعات تمر و هي في غرفتها و حين كررت سؤالي عنها لوالدتي بعد العشاء قالت :
    " إنها منزعجة منك ! "
    قلت :
    " مني أنا ؟؟ "
    " نعم ! فأنت على ما يبدو كنت قد وعدتها بألا تسافر دون وداعها ثم خرجت خلسة ! "
    قالت دانة :
    " دعك من هذه الفتاة المتدللة يا وليد ! لها ألف مزاج في اليوم الواحد ! يا إلهي كيف سأتحمل تصرفاتها وحدي طوال هاذين الأسبوعين ! "
    سامر قال :
    " حذار من القسوة على عروسي يا دانة ! و إلا حبستك في المطبخ ليلة زفافك ! "
    الجميع كان يضحك بمرح ، إلا أنني كنت أشعر برغبة في غرس الشوكة التي أمسك بها في صدر شقيقي ...
    توقفوا عن الحديث عن الزفاف المشؤوم هذا ... أفرغت الدنيا من المواضيع ؟؟
    قلت مغيرا مسار الحديث الذي كان متمركزا حول الزواج المترقب :
    " متى ستعودان من رحلة الحج تحديدا ؟ "
    قال أبي :
    " ليلة السابع عشر من شهر الحج إن شاء الله "
    إنها فترة طويلة سأضطر لتمضيتها مع رغد تحت سقف واحد !
    ليت الأيام تنقضي بسرعة !
    رغد لم تظهر حتى الآن ... حقيقة هي أنني أنظر ناحية الباب بين الفينة و أختها و أرتقب طلوعها ...
    كم اشتقت إليها ... ! هكذا بدون أي تكلّف و ادعاء ، أنا اشتقت إليها !
    مرت الساعات و لم تظهر فتملكني الضيق و الانزعاج ... و لولا الحياء و الحرج لذهبت بنفسي إليها ... أهي غاضبة مني لهذا الحد حقا ؟؟
    و الشخص الذي ذهب إليها كان بطبيعة الحال شقيقي ...
    و بعد أن ذهب لم يعد ...
    على الأريكة الضيقة رميت بجسدي فغرقت في أعماقها ... في غرفة الضيافة .
    و للعجب نمت بسرعة لم أتوقعها ! و حين نهضت وجدت جسدي غارقا في العرق !
    ساعات الصباح انقضت و الصغيرة لم تظهر ، أكاد أجن ... لم لا تأت لتحيتي و لو بشكل عابر ؟؟
    على مائدة الغذاء انتظرت حضورها فلما لم أجدها سألت :
    " أين رغد ؟؟ ألن تشاركنا ؟؟ "
    دانة بدأت بالضحك ، قم قالت :
    " إنها تقلي البطاطا ، فأطباقنا اليوم لم تعجبها و ستأكل البطاطا المقلية كالعادة ! "
    نظرت نحو أمي و قلت :
    " أرجو ألا أكون السبب في ... "
    أمي هزّت رأسها نفيا و قالت :
    " لا أبدا بني ! إنها لا تحب السمك كما تعلم كما و أنها كثيرا ما تتغيب عن المائدة خصوصا في الفترة الأخيرة ! "
    قالت دانة بحدّة :
    " تتدلّل ! "
    قال أبي :
    " دعوها تفعل ما تشاء "
    قال سامر :
    " سأستدعيها "
    وقفت أنا و قلت :
    " أنا سأستدعيها "
    و تحركت فورا لأسبق سامر ...
    حين وصلت إلى المطبخ وجدت الباب شبه مغلق . طرقته و قلت :
    " أيمكنني الدخول ؟؟ "
    سمعت صوت رغد يرد علي ...
    " من أنت ! ؟ "
    عجبا ! من أنا ؟؟ من عساي أكون !؟ بالطبع وليد ! قلت :
    " وليد ! "
    قالت :
    " وليد ؟ لا ! "
    ثم إذا بي أرى الباب يغلق بدفعة قوية !
    تراجعت ُ للخلف خطوة و بقيت محدقا في الباب ...
    هل تقصد أنها لا ترتدي الحجاب ؟
    قلت :
    " هل أذهب ؟؟ "
    قالت :
    " ماذا تريد ؟ "
    " فقط ... أن ألقي التحية و ... أسأل عن الأحوال "
    " بخير و شكرا و اذهب "
    شعرت بالحرج من ردها هذا ، فقلت معتذرا :
    " سأذهب ، أنا آسف "
    و استدرت منصرفا ...

    فجأة سمعت الباب ينفتح من خلفي ، فالتفت إلى الوراء ...
    هناك عند الفتحة ، رأيت عيني رغد تطلان علي !
    ظهرت رغد واقفة أمامي ... بحجمها الصغير و وجهها الطفولي و حجابها الطويل الذي يكاد يصل إلى ركبتيها !
    لدى رؤيتي لها بعد كل تلك المدة من الغياب شعرت بأن قلبي قد تخدّر و أعصابي قد تبلّدت ... و عضلاتي استرخت لبرهة كادت تفقدني توازني .
    قلت بصوت خفيف و بابتسامة تفجرت على وجهي رغما عني :
    " كيف حالك صغيرتي ؟؟ "
    صغيرتي كانت تنظر إلي بنظرات ملؤها الغضب و الانزعاج ... كأنني أقرأ في وجهها كلمات اللوم و التأنيب و التوبيخ ... و الشتم أيضا !
    قلت :
    " أنا آسف ! "
    رغد أشاحت بوجهها عني ، و استدارت و دخلت المطبخ ، تاركة الباب مفتوحا .
    توجهت رغد نحو الموقد ، تحرك أصابع البطاطا في المقلاة ...
    تجرأت و خطوت خطوة للداخل ، و خطوة أخرى فأخرى حتى صرت على مقربة من الوعاء الذي أعدته لوضع البطاطا المقلية فيه ...
    هاهي الآن تضع أول دفعة من البطاطا فيه ... دون أن تلتفت إلي ...
    قلت :
    " تبدو شهية ! "
    لم تعلّق !
    قلت :
    " أتسمحين لي بتذوقها ؟؟ "
    قالت :
    " تفضل "
    طبعا دون أن تلتفت إلي ...
    و لأنني كنت مخدّر الإحساس فأنا لم أشعر بحرارة البطاطا المقلية لا بين أصابعي و لا في فمي !
    بل حتى طعمها لم أشعر به ، إلا أنني قلت :
    " لذيذة ! "
    قالت :
    " خذها إن شئت "
    " شكرا ، سأتناول الغذاء الآن "
    بقيت صامتة و هي تخرج دفعات البطاطا واحدة بعد الأخرى حتى انتهت ...
    ثم رفعت الطبق و وضعته على المائدة و سحبت الكرسي استعدادا للجلوس ...
    قلت :
    " ألن تأتي معنا ؟؟ "
    قالت :
    " لن آكل من أطباقكم "
    قلت :
    " تعالي بطبقك "
    " لا داعي "

    و جلست على الكرسي ، و انتظرت مغادرتي !
    و عوضا عن الانصراف اقتربت ُ من الطاولة قليلا و قلت :
    " صغيرتي ... هل أنتِ غاضبة مني ؟؟ "
    لم تجب ...
    قلت :
    " أنا آسف ... سامحيني "
    رغد الآن رفعت بصرها إلى و قالت بحنق :
    " أطلب السماح ممن استهنت بعظمته لخداعي ... يا كذّاب "
    كأنها خنجر مسموم طعنت كلماتها صدري بعنف ...
    لم يكن أمامي إلا الانسحاب مخذولا ...
    عدت وحيدا إلى من كانوا ينتظرون عودتي برغد ... و حين رأيت أعينهم جميعا تحدق بي بتساؤل ، قلت :
    " لا تود الحضور ... "
    و جلست على مقعدي و بدأنا تناول وجبتنا ...
    لم يكن مضغ الطعام و بلعه من السهولة بمكان ... لقد اشتد علي الألم، لا أدري أ بسبب الطعام الغير مهضوم ، أم بسبب الخناجر التي طعنت أحشائي ؟؟
    ربما لاحظت والدتي شيئا فقد كانت تعلق :
    " كل يا وليد ! ما بك لا تأكل ؟؟ "
    من حين لآخر ...
    هل يطيب لي الطعام و صغيرتي متخذة مني هذا الموقف ؟؟
    في وقت لاحق ، اجتمعنا كلنا في غرفة المعيشة ، عدا رغد ...
    والدي طلب من دانة استدعائها فهو يود قضاء الوقت معنا جميعا قبل السفر ... ذهبت دانة ثم عادت تقول :
    " لا تريد الحضور ! و عندما قلت لها أنها تتصرف كالأطفال صرخت في وجهي ثم بدأت بالبكاء ! أوه خذاها معكما و خلصاني من سخافتها يا والدي ! "
    جميعنا تبادلنا النظرات ...
    والدي قال :
    " دانة ... تحاشي الاصطدام بها يا بنيتي ، دعيها تفعل ما تشاء "
    دانة قالت :
    " كالعادة يا أبي ستقول لي ذلك ، حسنا، أنا لا شأن لي بهذه الطفلة الكبيرة ... أترك الأمر لوليد بالكامل حتى لا يتهمني أحد بأنني متعجرفة معها "
    همّ سامر بالنهوض إلا أن أمي استوقفته و قامت هي ، و ذهبت إلى رغد ...
    قال أبي موجها كلامه لي :
    " اعتني بشقيقتيك جيدا يا بني ، دانة لن تتعبك في شيء ، فهي معتمدة على نفسها في تصريف أمورها ، لكن رغد ... معتمدة علينا كثيرا ... و طلباتها لا تنتهي ! "
    قالت دانة معقبة :
    " هذا لأنك تدللها كثيرا يا أبي ! كما الأطفال تماما ! "
    والدي قال :
    " دانة إياك و تعمّد مضايقتها ... رجاءً "
    سامر قال :
    " إياك ! "
    دانة نقلت بصرها بين الاثنين ثم قالت :
    " لا تخشيا على مدللتكما الصغيرة ! "
    و التفتت نحوي و قالت :
    " ألقي عليك المسؤولية كاملة ! "
    أنا وجدت الثلاثة يحملقون بي بمختلف التعبيرات المتقلبة على أوجههم ...
    قلت بتردد :
    " لا تقلقوا ... سيسير كل شيء على ما يرام ... "
    بينما أنا في الداخل شديد القلق ...

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    أنا مستاءة بشكل لا يمكنكم تصوّره !

    سأتزوج بعد ثلاثة أسابيع من سامر ، فيما يقف وليد إلى جانبي ليعتني بي أثناء ابتعاد أمي عني ...
    ثلاثة أمور جعلتني في غاية التوتر خصوصا هذا اليوم ، و آخر شيء كنت لأتقبله هو كلمات السخرية من دانة التي ترددها منتقدة إياي ...
    لم أحتمل كل ذلك و بدأت بالبكاء بشكل غريب !
    هم يجلسون الآن معا يودعون بعضهم البعض و أنا قابعة هنا أبلل المناديل بالدموع المالحة المتدفقة بغزارة ...
    أريد أن أبقى مع والديّ قبل رحيلهما !
    ليت وليد يختفي !
    ليتني أنا من يختفي !
    ليتكم أنتم أيضا تختفون !
    سمعت صوت والدتي تناديني ، من خلف الباب المغلق ...
    " نعم أمي "
    والدتي فتحت الباب و دخلت قبل أن تدع لي الفرصة لمسح دموعي ، و التي و إن مسحتها لا أسهل عليها من أن ترى آثارها مطبوعة على وجهي ...
    أمي نظرت إلى بقلق و حيرة و قالت :
    " و بعد ؟؟ ما نهاية حكايتك هذه ؟؟ ما بك يا رغد أخبريني ؟؟ "
    " لا شيء أمي "
    " إذن ... لم تحبسين نفسك في غرفتك و تسبحين في بركة الدموع هذه ؟؟ "
    قلت بانفعال :
    " لا شيء أمي لا شيء ... لا شيء ... لا شيء ... "
    و انخرطت في البكاء باستسلام ...
    لم أقاوم أو أواري أي دمعة تحدتني بالظهور ... بكيت بحرقة ... لم أعهدها من قبل ... لم أكن أشعر بمثل هذه الأشياء تتحرك في صدري قبل الآن ... لكنني أشعر الآن بصرخة كبيرة تود الانطلاق رغما عني ... إنني منهارة و أريد من يواسيني ...
    من يسندني ... من يساعدني ... من ينقذني مما أنا مقبلة عليه ...
    من ؟
    من ؟؟
    أمي أقبلت نحوي ، و مسحت بيدها الحنونة على رأسي و ربتت على كتفي بلطف
    قالت :
    " بنيتي ... أخبريني ما بك ... إنني قلقة عليك و لا أريد السفر قبل أن أطمئن ... ما بك ؟؟ مم أنت مستاءة ؟ "
    أنظر إلى أمي ، فأرى في عينيها عالما كبيرا محيرا ... أرى فيها أكواما من القلق و الخوف ... و الخشية و الاضطراب ...
    ليتك يا أمي تدخلين إلى أعماقي و ترين بنفسك ...
    أترين يا أمي ؟؟
    إنني لا أريد أن تسافري و تتركيني ...
    أيقلقك ذلك ؟؟
    إنني لا أريد الزواج من سامر ...
    أيفجعك ذلك ؟؟
    إنني أريد أن استعيد وليد ...
    أيذهلك ذلك ؟؟
    إنني أريد أن تعود أمي للحياة ...
    أيقتلك ذلك ؟؟
    إنني أموت ببطء يا والدتي ...
    أيرضيك ذلك ؟؟
    أموت و أنا لم أحي َ بعد ...
    لم أولد بعد !
    أترين كل ذلك يا أمي ؟؟
    " لا شيء أمي ... لا شيء ... "
    برقت دموع في عيني والدتي لتأثرها بحالتي هذه ، و الدموع في عين أمي هي شيء لا أحتمله مطلقا... مطلقا
    مسحت دموعي بسرعة و قلت :
    " أمي ... لا شيء صدقيني ، أنا فقط متأثرة لسفركما ، فهي أول مرة في حياتي تبتعدان فيها عني ... لا أتصور حياتي بدونكما "
    والدتي ضمتني إلى صدرها و قالت :
    " ستعيشين حياتك بسعادة و راحة مرضية ... لا تقلقي ... فابني سيعتني بك جيدا كما نفعل نحن ... الله قسم هكذا "
    رفعت رأسي و نظرت إليها بشيء من الحيرة ... فكلماتها بدت غامضة ، فقالت هي:
    " و الآن عزيزتي ... ألن تأتي لمجالسة والدك ؟ إن هي إلا فترة قصيرة ثم نسافر ! "
    أجبت بإذعان :
    " بلى "
    و استدركت :
    " وليد معكم ؟؟ "
    قالت :
    " بالتأكيد ... "
    طبعا هو معهم ! أين يمكن أن يكون ؟؟
    أخذت حجابي و سرت نحو المرآة لارتدائه ، و هالني منظر عيني الحمراوين و جفوني المتورمة !
    تركت الحجاب جانبا و مضيت لأغسل وجهي ...
    عندما خرجت من دورة المياه وجدت أمي تنتظرني ...
    قالت :
    " هيا عزيزتي ... "
    ارتديت حجابي على عجل و أقبلت نحوها ...
    قالت :
    " سيسير كل شيء على ما يرام ، و إن احتجت شيئا لا تترددي في طلبه من دانة أو وليد أو سامر ... سنبقى على اتصال دائم "
    بعدها ذهبنا إلى غرفة المعيشة ...
    كانوا جميعهم مندمجين في الأحاديث المختلفة ، و ما أن رأونا حتى قال سامر :
    " تعالي رغد ! كنا نوصي الكبير و العروس بك خيرا ! "
    والدي قال موجها حديثه إلي و هو يبتسم بابتهاج :
    " أهلا بالعزيزة المدللة ! تعالي و اجلسي قرب أبيك ليرتوي منك قبل السفر "
    سرت ُ كالآلة نحو المقعد الذي يجلس عليه أبي و جلست إلى جواره ، ففتح ذراعه و أحاطني بها ...
    قال :
    " ما بك صغيرتي ؟ على الوجبات لست معنا ، و في الجلسات لا تشركينا ! ألن تشتاقي لشيبتي هذه ؟؟ "
    سامر ضحك ، و دانة نظرت إلى السقف باستنكار ... و أمي ابتسمت ، أما الكائن الأخير فلم ألتفت نحوه لأعرف ما فعل !
    قلت :
    " بلى ... كثيرا جدا ! خذاني معكما ! "
    قال سامر مداعبا :
    " و أنا أيضا ! "
    قالت دانة :
    " ماذا عنّي ؟؟ "
    قلت :
    " نتركك مع المغرور ! "
    ضحك من ضحك ، أما صوت وليد ـ و الذي كان خفيفا و مع هذا تمكنت مجسات أذني من التقاطه ـ فجاء في الكلمتين التاليتين :
    " تقصدينني أنا ؟؟ "
    و أجبرني سؤاله على الالتفات إليه ...
    لقد كان ينظر إلي بغرابة ...
    لم أرد عليه ، بل التفت إلى أبي
    و دانة تولت الإيضاح بنفسها إذ قالت :
    " بل تقصد خطيبي ... فهي لا تطيقه و تنعته بالمغرور دوما "
    الآن أنا التفت إلى دانة و قلت بصوت حاد :
    " على الأقل ... خير من الكذابين "
    بعض الصمت خيم علينا لبعض الوقت ...
    و بعض الندم شعرت ُ به لبعض الوقت !
    قال أبي :
    " و من الكذابون بعد يا ترى ؟؟ "
    قلت :

    " بعض معارفي يا أبي ! لا يطاقون ! ... "
    و الآن تكلم وليد و قال :
    " المغرورون ، و الكذابون ، و الخونة كذلك ... كلهم لا يطاقون ! "
    التفت إلى وليد و قلت :
    " من تقصد ؟؟ "
    قال :
    " بعض معارفي يا ابنة عمي ... لا يطاقون ! "
    بدا كل هذا سخف ! أليس كذلك ؟؟
    قال سامر :
    " دعونا من هذا ... و لنعد إلى موضوعنا .. لدينا عروسان ، بالتالي موكبا زفاف ... أبي و وليد ، من سيقود موكب من ؟؟ دعونا نحدد الآن "
    قلت أنا بسرعة :
    " أنا أريد أبي "
    التفت سامر نحو دانة و قال :
    " إذن أنت مع وليد "
    دانة نظرت إلى وليد و قالت :
    " إذن يجب أن تستأجر سيارة فخمة من أجلي ! أفخم من سيارة سامر ! "
    والدتي ضحكت و قالت :
    " يا لتفكيركن العجيب يا فتيات هذا الزمن ! "
    قالت دانة :
    " لن أقبل بسيارة قديمة كهذه ! "
    و وجهت كلامها إلى وليد قائلة :
    " لم لا تستبدل سيارتك يا وليد ؟؟ لقد عثى عليها الدهر ! "
    قال وليد :
    " سأفعل ... عندما تتحسن الأحوال ! "
    الأحوال بالتأكيد يقصد بها الأحوال المادية !
    و لكن هل ابن عمي هذا ضئيل المال ؟؟ ألم يذهب للدراسة في الخارج ؟ لا بد أن لديه شهادة عظيمة تمكنه من احتلال وظيفة مرموقة ... ذات دخل محترم !
    مثل سامر !
    لا أدري ما كان يقصد بتحسن الأحوال هذه !
    وليد قال :
    " أ لديك دراسة هذه الفترة ؟ "
    طبعا كان يقصدني ! لكنني تظاهرت بأنني لم أنتبه !
    لذا قال والدي :
    " نعم لمدة خمسة أيام قبل إجازة العيد ... ، ستأخذها للجامعة خلال هذه الأيام "
    قال وليد :
    " حسنا ، أهناك أي تغيير في مواعيدك ؟؟ "
    الكل ينظر إلي بانتظار جوابي !
    قلت بنفور :
    " لا ، و لكنني أفكر في عدم الذهاب هذه الأيام "
    قال وليد :
    " لم ؟؟ "
    قلت باستياء :
    " ليس من شأنك "
    بعض الصمت سكن الغرفة تلاه صوت أبي :
    " لم لا تودين الذهاب رغد ؟؟ "
    قلت :
    " لا أريد ترك دانة وحيدة معظم النهار "
    دانة نظرت إلي بتشكك و قالت :
    " لا تكترثي بشأني ! سأقضي الوقت في إعداد الطعام و العناية بالمنزل ! "
    ثم أضافت بجرأة :
    " و التنزه مع نوّار ! "
    قالت أمي :
    " على ذكر الطعام ... ماذا عن كعكتك يا دانة ؟؟ "
    قامت دانة و قالت :
    " آه نعم ... سأحضرها لكم الآن ... "
    و ذهبت إلى المطبخ ، فقمت أنا و لحقت بها ...

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

    عادت دانة و رغد بعد قليل تحملان الكعكة و كؤوس العصير ... و قامتا بتوزيعها علينا جميعا ...
    الذي آلمني هو أنها ـ أي صغيرتي رغد ـ كانت تعاملني بنفور شديد ... حتى أنها حين جاء دوري لأخذ كأس عصيري لم تدع لي المجال لأخذه ، بل أمسكت هي به و وضعته على المنضدة الماثلة أمامي بسرعة كادت تدلق محتوياته فوقها !
    كانت الكعكة لذيذة جدا ... قلت :
    " ما ألذها ! سلمت يداك يا دانة ! أنت ماهرة "
    قالت دانة بزهو :
    " شكرا يا أخي ، سترى ! سأذيقك أصنافا لذيذة من الحلويات فأنا ماهرة في إعدادها ! "
    قلت :
    " عظيم ! فأنا أحب الحلويات ! "
    و التفت نحو رغد و قلت :
    " و أنت ؟؟ "
    رغد رفعت بصرها عن قطعة الكعك التي بين يديها ببطء ، و نظرت إلي بنفاذ صبر و قالت :
    " أنا لا أحب الحلويات "
    قلت :
    " أقصد ماذا ستذيقيننا من صنع يدك ؟؟"
    لم يبد على رغد أنها تريد تباديل الأحاديث معي ... قالت بضجر :
    " لا شيء ... "
    قالت دانة :
    " إنها كسولة ! لا تحب الطهو و لا تجيده ! لا أعرف كيف ستتولى مسؤولية بيتها المستقبلي ! مسكين سامر ! "
    ضحك سامر و قال :
    " سأعود لأمي كلما قرصني الجوع ! "
    و أخذ الجميع يضحكون عدانا أنا و هي ...
    قالت دانة و هي تضحك :
    " أو صبّر معدتك بالبطاطا المقلية المقرمشة ! "
    و استمروا في الضحك بمرح ...
    رغد وقفت الآن بغضب و قالت :
    " أنتم تسخرون مني "
    الجميع توقف عن الضحك ، و نظروا إليها باهتمام ... كانت منفعلة ...
    قال سامر :
    " لا عزيزتي نحن نمزح فقط ! "
    قالت :
    " بل تسخرون مني "
    و توجم وجهها بما يوحي بدموع على وشك الانهمار ...
    وقفت أنا و قلت :
    " معذرة ... صغيرتي "
    التفتت رغد نحوي بعصبية و قالت بحدة :
    " أنت أسكت ... آخر من يُسمح له بالكلام "
    صعقت بهذا الرد الجارح و علاني الصمت العميق ...
    الجو صار مشحونا بتيارات متعارضة متضاربة ، و النظرات أخذت تصطدم ببعضها محدثا فرقعة !
    و الآن ؟؟
    خرجت رغد مسرعة من الغرفة في غضب و استياء ...
    بقينا بعد خروجها بعض الوقت صامتين منصتين لفرقعة نظراتنا الحائرة !
    وقف سامر هاما باللحاق بها ، ألا أن أمي طلبت منه أن يلتزم مكانه ...
    " دعوها فهي اليوم في مزاج شديد التعكر "
    قالت هذا أمي ، فعقبت دانة :
    " اليوم فقط ؟؟ بل كل يوم ! لا أدري ما ذا جرى لهذه الفتاة مؤخرا ! "
    كنت أنا لا أزال واقفا أنظر ناحية الباب ...
    قالت أمي :
    " اجلس بني ! "
    فجلست على طرف المعقد مشدود العضلات ... على أهبة النهوض !
    تنهد أبي و قال أبي :
    " أمرها يقلقني "
    قالت أمي :
    " و أنا كذلك ، لست ُ مطمئنة للسفر و تركها ! "
    قالت دانة :
    " خذاها معكما ! أنا لا أطيق تصرفاتها هذه ! "
    أبي التفت إلي و قال :
    " احرص في التعامل معها ... كن حليما ... "
    قالت دانة :
    " إنها لا تزال غاضبة منك ! كان الله في عونك على مراسها هذا ! "
    بعد قليل آن أوان مغادرة والدي و سامر ، الذي سينقلهما إلى المطار ثم يذهب إلى شقته في المدينة الأخرى ...
    أخذت أحمل الحقائب و أنقلها إلى سيارة أخي ، و عندما انتهيت من وضع الحقيبة الأخيرة و دخلت المنزل وجدت والدتي تقف عند الباب الداخلي ...
    قالت :
    " أعطاك الله العافية يا بني "
    " عافاك الله أماه "
    هممت بالدخول إلا أن أمي أمسكت بذراعي و استوقفتني ...
    " وليد "
    نظرت إليها بحيرة ... قلت :
    " نعم أمي ؟؟ "
    أمي تحدثت بصوت منخفض ، و بنبرة جدية ... و تعبيرات قلقة ، قالت :
    " انتبه لرغد جيدا يا بني "
    تعجبت ! قلت :
    " بالطبع أمي ! "
    أمي بدا المزيد من القلق جليا على وجهها و قالت :
    " كنا سنؤجل حجنا للعام التالي لكن ... كتبه الله لنا هذا العام ... هكذا قضت الظروف يا بني "
    و هذا زادني حيرة !
    قالت :
    " لو أن الظروف سارت على غير ذلك ... لكانت الأوضاع مختلفة الآن ... لكنه قضاء الله يا ولدي ... سأدعوه في بيته العظيم بأن يعوّضك خيرا مما فاتك ...
    فلنحمده على ما قسم و أعطى "
    قلت :
    " الـ ... حمد لله على كل شيء ... أمي أنت ِ تلمحين لشيء معين ؟؟ "
    قالت :
    " لم تتغير هي عمّا تركتها عليه قبل سنين ... كما لم تتغير أنت ... "
    ثم أضافت :
    " إلا أن الظروف هي التي تغيرت ... و أصبح لكل منكما طريقه ... "
    توهج وجهي منفعلا مع كلمات أمي و الحقيقة الصارخة أمامي ...
    لم أستطع البنس ببنت شفة أمام نظرات أمي التي كشفت بواطن نفسي ...
    قالت :
    " اعتن بها كما يعتني أي شقيق بشقيقته ... كما تعتني بدانة ، و ادع معي الله أن يسعدهم هم الثلاثة ، و أنت معهم "
    في هذه اللحظة فتح الباب و ظهر بقية أفراد عائلتي بما فيهم رغد ، و خرجوا واحدا تلو الآخر ... و اجتمعنا قرب بعضنا البعض في وداع مؤلم جدا ...
    بالنسبة لي ، فقد اعتدت فراق أحبتي و جمدت عيناي عن أي دموع
    أما البقية فقد كانت الدموع تغرق مشاعرهم ...
    كلمات أمي ...
    و كلمات أبي كذلك
    و توصيتهما الشديدة على الفتاتين
    و خصوصا رغد ، جعلتني أشعر بالخوف ...
    فهل أنا أهل لتحمل مسؤولية هذا البيت و من به في حين غياب والدي ّ ؟؟
    و هل هي مسؤولية خطرة تقتضي منهما كل هذه التوصيات و التنبيهات ؟؟
    خرج الثلاثة ، فعدنا نحن الثلاثة إلى الداخل ... و قضيت وقتا لا بأس أراقب دموع الفتاتين ...
    كنا نجلس في غرفة المعيشة ... و الحزن يخيم على الأجواء فشعرت بالضيق
    قمت بتشغيل التلفاز فرأيت مشهدا مريعا لآثار قصف تعرضت له إحدى المدن هذا اليوم ... فزاد ذلك ضيقي ...
    كم كنت مرتاحا هانئا في مزرعة نديم !
    ليتني أعود إلى هناك !
    قلت ـ في محاولة لتغيير الأجواء و طرد الكآبة ـ
    " ما رأيكما بالذهاب في نزهة بالسيارة ؟؟ "
    دانة تفهمت و قدّرت الأمر ، فقالت :
    " نعم يا ليت ! هيا بنا "
    نظرت إلى رغد أنتظر جوابها ، لكنها ظلت صامتة ...
    قلت :
    " ما رأيك ؟ "
    قالت بصوت حاد و نبرة جافة مزعجة :
    " لا أريد الذهاب لأي مكان "
    دانة قالت :
    " إذن سنذهب و أنت ابقي هنا "
    رغد بسرعة التفتت إلى دانة و قالت :
    " تتركاني وحدي ؟؟ "
    قالت دانة :
    " ما نصنع معك ؟؟ أنا بحاجة لبعض الهواء المنعش ... أما أن تأتي معنا أو ابقي مخنوقة وحدك "
    وقفت رغد منفعلة و قالت :
    " كان علي ّ أن أذهب معهما ... كم كنت غبية ... ليتني ألحق بهما الآن "
    وقفت أنا و حاولت تهدئة الوضع فقلت :
    " لا بأس ... سنؤجل نزهتنا لوقت لاحق ... لا تنزعجي هكذا صغيرتي "
    رغد التفتت نحوي بعصبية و قالت صارخة :
    " لا شأن لك أنت بي ... مفهوم ؟؟ لا تظن أنك أصبحت مسؤولا عني ... لا تزعج نفسك في تمثيل دور المعتني فهذا لم يعد يناسبك ... يا كذّاب "
    اللهم استعنا بك على الشقاء !
    ذهبت الصغيرة الغاضبة إلى غرفتها ... و بقيت مع دانة التي بدت مستاءة جدا من تصرف رغد ... اقترحت عليها بعد ذلك الجلوس في الفناء الخارجي فرحبت بالفكرة
    خرجنا معا و جلسنا على المقاعد القريبة من الشجرة ... و بدأنا نتحدث عن أمور شتى ...
    أخبرت دانة عن مزرعة صديق لي قمت بزيارتها مؤخرا و أعجبتني ... و عن متفرقات من حياتي ... ألا أنني لم أشر إلى السجن ، و لا ما يتعلق به ...
    شقيقتي بدت متلهفة لمعرفة كل شيء عني ! و كأنها اكتشفت فجأة أن لديها شقيق يستحق الاهتمام و الفخر !
    اعتقد أنها كانت تنظر إلي بإعجاب و فخر بالفعل !
    بعد مدة حضرت رغد ...
    كانت عيناها حمراوين ...
    قالت :
    " دانة ، مكالمة لك "
    أجابت دانة :
    " من ؟؟ "
    قالت رغد :
    " من غيره ؟ خطيبك المبجل "
    دانة نهضت بسرور و استأذنت للدخول ...
    و لحقت بها رغد بعد ثوان ، و بقيت وحيدا إلى أن سمعت ُ الآذان يرفع ...
    دخلت ُ بعدها و استعددت للخروج لتأدية الصلاة في المسجد المجاور . كانت دانة في غرفتها أما رغد فأظنها في غرفة المعيشة !
    خرجت إلى الفناء و فيما أنا أعبره نحو البوابة الخارجية سمعت صوت نافذة يفتح و نداء باسمي
    " وليد "
    التفت نحو الصوت فإذا بها رغد تطل من النافذة المشرفة على الفناء و تقول :
    " إلى أين تذهب ؟؟ "
    قلت :
    " إلى المسجد "
    قالت :
    " ستتركنا وحدنا ؟؟ "
    حرت في أمري !
    قلت :
    " هل هناك مشكلة ؟؟ سأصلي و أعود فورا ... تعالي و أوصدي البابين ... "
    وافتني بعد قليل و وقفت عند البوابة و بيدها المفتاح .
    قالت :
    " لا تتأخر "
    قلت :
    " حسنا "
    و عندما عدت بعد أداء الصلاة كانت هي من فتح الباب لي ...
    قدّمت لي مفتاحين و قالت :
    " هذا لبوابة السور و هذا للباب الداخلي ، احتفظ بهما "
    " شكرا لك "
    تولت رغد قاصدة دخول المنزل فناديتها
    " رغد "
    التفتت إلي ، و قالت بنفس ضائقة :
    " نعم ؟؟ "
    قلت :
    " أما زلت ِ غاضبة مني ؟؟ كيف لي أن أكسب عفوك ؟؟ "
    قالت :
    " لا يفرق الأمر معي شيئا "
    و همّت بالانصراف ، قلت :
    " لكنه يفرق معي كثيرا "
    توقفت و قالت :
    " حقا ؟؟ "
    " نعم بالتأكيد ... "
    " هذا شأنك ... لا دخل لي به "
    و انصرفت ...
    الواضح أنني سألاقي وقتا عصيبا ... كان الله في عوني ...
    بعد ساعات ، أعدت دانة مائدة العشاء و لم تشاركنا رغد فيه ... لقد مضت الليلة الأولى من ليالي تولي ّ مسؤولية هذا المنزل على هذه الحال ..
    في الصباح التالي كنت أجلس مع دانة في المطبخ ، و رغد على ما يبدو لا تزال نائمة ...
    قلت :
    " أخبريني دانة ... كيف أقدم المساعدة ؟؟ فأنا أجهل الأمور المنزلية ! "
    ضحكت دانة و قالت :
    " لا تهتم ! أنا أستطيع تولي الأمور وحدي ! "
    " أرغب في المساعدة فأنا بلا شاغل ! أخبريني فقط بما علي فعله ! "
    و باشرت المساعدة في أعمال المنزل !
    ليس الأمر سيئا كما قد يظنه البعض ، كما أنه ليس من تخصص النساء فقط !
    كنت أرتب الأواني في أرففها الخاصة حين دخلت رغد إلى المطبخ ...
    كانت دانة آنذاك تفتش في محتويات الثلاجة ...
    قالت رغد :
    " صباح الخير "
    التفتنا لها و رددنا التحية . الحمد لله ، تبدو أكثر هدوءا هذا الصباح !
    قالت دانة :
    " تناولنا فطورنا قبلك ! "
    قالت رغد :
    " غير مهم "
    قالت دانة و هي لا تزال تقلب بصرها في محتويات الثلاجة :
    " إنني حائرة ما أطهو للغذاء اليوم !؟ ماذا تودان ؟؟ "
    و نظرت باتجاهي ، فقلت :
    " أي شيء ! كما يحلو لك "
    ثم نظرت باتجاه رغد و سألتها :
    " ما ذا تقترحين ؟؟ "
    قالت رغد :
    " لا شيء "
    " لا شيء ؟؟ "
    " لا تعملي لي حسابا فأنا حين أرغب بشيء سأصنعه بنفسي "
    قالت دانة بعد تنهد :
    " أما زلت ِ على ذلك ! أف ٍ منك ! "
    رغد انسحبت فورا من المطبخ ...
    وضعت أنا الأواني في أماكنها و قلت لدانة :
    " دانة ... لا تكوني فظة معها ! "
    " أنا يا وليد ؟؟ ألا ترى كيف ترد علي بنفس مشمئزة ؟؟ "
    " لكن .. أرجوك لا تعامليها بخشونة .. لحين عودة والدي ّ .. "
    " لا تقلق . لن أتعمد إزعاجها .. تصرّف أنت معها "
    مضت ساعات و الفتاة حبيسة غرفتها ... الأمر ضايقني كثيرا ... و قبل ذهابي لتأدية صلاة الظهر في المسجد طلبت من دانة أن تذهب لتفقدها ، و عندما عادت سألتها عنها فقالت :
    " لم تفتح لي الباب ! عنيدة ! "
    الأمر زاد من قلقي و خوفي ... و بعدما عدت ، سألتها عنها فكررت الإجابة ذاتها ...
    " حسنا ... سوف ... سوف أحاول التحدث معها ... أيمكنني ذلك ؟؟ "
    " حاول وليد !علك تحرز نجاحا ! "
    ذهبت بعد تردد ، و طرقت باب غرفتها ...
    " هذا أنا وليد "
    لم ترد علي ... شعرت بخوف ... فعدت أطرق الباب طرقا أقوى و أنادي :
    " رغد ... صغيرتي هل أنت بخير ؟؟ "
    و لما لم تجب أصابني الجنون ... ماذا لو أن مكروها قد حل بها و نحن لا نعلم ؟؟
    طرقته الآن بقوة و عصبية ...
    " رغد افتحي الباب أرجوك ... "
    كدت أفقد السيطرة على نفسي لو لم ينفتح الباب في اللحظة الأخيرة !
    ظهرت رغد ... و راعني المظهر الذي كانت عليه ...
    كيف لي أن أتحمل رؤية ذلك ؟؟
    صغيرتي أنا ... مدللتي الغالية ... تتبعثر دموعها الغالية سدى لتشربها المناديل ... و ينتهي مصيرها إلى سلة المهملات ؟؟
    " ماذا تريد ؟ "
    قالت بصوت حزين مخنوق ... التف حول عنقي أنا و خنقني حتى الموت ...
    قلت :
    " ما بك صغيرتي ؟؟ "
    قالت و تعبيرات وجهها تزداد حزنا و كآبة :
    " ماذا تريد قل لي ؟؟ "
    قلت :
    " صغيرتي ... أريد أن تتوقفي عن البكاء و الحزن أرجوك ... أنا قلق عليك "
    قالت :
    " قلق علي ؟ "
    " نعم يا رغد ... "
    " و لم ؟ هل يهمك أمري ؟؟ "
    " و هل هذا سؤال ؟ طبعا يهمني ! لم أنا هنا الآن ؟؟ "
    " لأن والدي طلب منك ذلك ، و وجدت نفسك مضطرا للحضور . لم تكن لتحضر لأجل أحد ... خصوصا فتاة غبية تصدّق قسم الكذّابين و تُستغفل بعلبة بوظة يشتريه لها رجل مثلك ليلهيها بها قبل الرحيل "
    صعقت لسماعي كلماتها ...
    قفزت الدموع من عينيها قفزا و قالت و هي آخذه في البكاء بانفعال :
    " تسخر مني ؟؟ أتظنني تلك الطفلة اليتيمة الوحيدة التي تخليت عنها قبل سنين و هي في أحوج الأوقات إليك ؟؟ "
    " رغد "
    " أسكت ... ! "
    صمت ، و أنا في قلبي صرخة لو أطلقتها لحطمت زجاج المنزل ..
    " لا تدعي القلق علي يا كذاّب ... لا أريدك أن تعتني بي ... فلدي خطيب يهتم لأمري و يحرص علي ... أفضل منك .... أليس هذا هو كلامك ؟ يا ابن عمّي الكذّاب ؟؟ "
    لا إراديا رفعت يدي و ضربت الباب بقوة و انفعال من فرط الغضب ...
    عندها ، توقفت رغد عن الكلام و عن البكاء أيضا ... و نظرت إلي بفزع ...
    كانت النار تتأجج في صدري و لو لم أمسك أعصابي ، لكنت أحرقت المنزل بمن فيه
    قلت بعصبية لم أملك إخفاءها :
    " لا تتحدثي معي بهذه الطريقة ثانية يا رغد ... فهمت ؟؟ "
    رغد كانت تبدو مذعورة و تنظر إلي بدهشة ...
    قلت :
    " إنك لا تعرفين شيئا ... لا تقلبي علي ّ المواجع و دعي هذه الأيام تمر بسلام ... أتسمعين ؟؟ "
    و أوليتها ظهري و انصرفت عنها ...
    جلست في الردهة ... و جلست معي و تحديدا في رأسي كلمات رغد الأخيرة ...
    ( لدي خطيب يهتم لأمري و يحرص علي أفضل منك )
    تبا لك يا سامر !
    بعد نصف ساعة رأيت رغد تعبر الردهة ... في طريقها إلى المطبخ ...
    ألقت علي ّ نظرة غريبة ، ثم تابعت سيرها ...
    لحقت بها أنا بعد قليل ، فرأيتها تقشر البطاطا و تقطعها ... كانت دانة قد انتهت من إعداد المائدة ...
    قالت :
    " الغذاء جاهز ... تفضل وليد "
    رافقت دانة و أنا أسير ببطء و تردد ... إلى غرفة المائدة حيث الوجبة اللذيذة التي أعدتها ...
    " قل لي ما رأيك ؟؟ "
    " أنت ماهرة يا دانة ! محظوظ هو نوّار ! "
    ابتسمت بخجل و قالت :
    " شكرا لك ... "
    ثم قالت :
    " على فكرة دعاني للعشاء في مطعم هذه الليلة ! "
    " جميل ! "
    ثم استدركت و قلت :
    " ماذا قلت ؟؟ للعشاء في مطعم ؟؟ "
    " نعم "
    " و ... نحن ؟؟ "
    قالت :
    " هل تودان مرافقتنا ؟؟ "
    ابتسمت و قلت :
    " لا ، لا أقصد .. لكن .. "
    " آه فهمت ! لا تقلق ! سأعد لكما طعاما قبل انصرافي ! "
    " أوه لم أقصد هذا دانة ! إن ذهبت ستبقى رغد وحدها ! "
    دانه رفعت نظرها نحو السقف لتفكر ، ثم قالت :
    " لكن غدا السبت و سوف تنام مبكرة ! أنت من ستظل وحيدا ! "
    " لا يفرق الأمر معي كثيرا ... "
    فلطالما عشت وحيدا ... لا تشاركني أيامي سوى الهموم و الذكريات ...
    " فيم شردت أخي ؟ "
    سألتني دانة حين رأتني سارحا ... قلت :
    " دانة ... اذهبي و استدعي رغد لتجلس معنا "
    " لن تفعل ! أعرفها ! "
    " إذن ... دعينا نذهب نحن إليها ! "
    و قرنت القول بالعمل !
    رفعت الطبق الرئيسي و حملته إلى المطبخ ، و وضعته وسط الطاولة ... بينما رغد تجلس على أحد المقاعد و تأكل أصابع البطاطا من طبق أمامها
    حين رأتني نظرت إلي بدهشة ، فقلت :
    " أنا أيضا أحب البطاطا المقلية ! هل لي بمشاركتك ؟؟ "
    و للمرة الأولى منذ عودتي للمنزل أرى ابتسامة على وجهها ـ و إن كانت ابتسامة سطحية ...
    جلست على أحد المقاعد ، فقرّبت هي طبق البطاطا مني و تناولت بعضها ...
    أقبلت دانة تحمل بقية الأطباق و ترتبها أمامنا واحدا بعد الآخر ...
    صحيح أن رغد لم تشاركنا طعامنا و لا حتى الحديث ألا أنها على الأقل شاركتنا المائدة ، و التنظيف أيضا !
    بعد عدة ساعات حضر نوّار و جالسته بعض الوقت قبل أن يخرج هو و دانه للاستمتاع بسهرة خاصة ...
    نوّار شخص مغرور بالفعل و اتفق مع رغد في حكمها عليه !
    بعدما خرجت دانة أدركت أنني أصبحت في البيت منفردا مع رغد !
    هي كانت تجلس في غرفتها منذ ساعات ، و أنا أتجول في المنزل بملل لا أجد ما أفعله ... !
    رن الهاتف فأسرعت إليه ... لأشغل نفسي به ... كنت انتظر اتصالا من والدي لكن الذي اتصل هو آخر شخص كنت أود سماع صوته ... أخي سامر !
    سأل عن أحوالنا و ما إلى ذلك ، ثم طلب مني أن استدعي رغد ...
    ألكم أن تتصوروا ذلك ؟؟
    أستدعي رغد لكي يتبادل الأحاديث معها هو ...
    رغد لم تكن تملك هاتفا في غرفتها لذلك حين أخبرتها أتت معي و جلست في نفس الغرفة تتحدث معه !
    في وضع كهذا ، فإنه لمن اللياقة و الذوق أن أنصرف ... لكنني لم أرغب في الانصراف ...
    بل على العكس ... استرققت السمع عمدا لأعرف ما يدور بينهما من أحاديث ...
    " ذهبت مع خطيبها و تركتني وحدي ! لكنني كنت أدرس ، و بعد قليل سآوي للنوم ... لا تقلق علي عزيزي "
    عزيزي ؟؟
    عزيزي ؟؟
    لا يمكنني تحمل المزيد ... ألقيت بالصحيفة التي كنت أتظاهر بقراءتها و نهضت مستاءً و ذهبت إلى غرفة سامر ، و ذرعتها جيئة و ذهابا حتى صدّعت أرضها !
    تناولت إحدى السجائر ـ و التي كنت على وشك الإقلاع عنها ـ و خرجت من الغرفة ، و من المنزل ، إلى الفناء الخارجي رغبة في التدخين ...
    إلى أن تنتهي الأيام المتبقية لي في هذا المنزل فإنني بالتأكيد سأتدهور و أعود إلى الصفر ...
    سمعت الباب يفتح بعد خروجي ببرهة ... و أتت رغد
    " إلى أين تذهب ؟؟ "
    التفت إليها و قلت :
    " ليس لأي مكان ... سأدخن هنا فقط "
    قالت :
    " لا تخرج وليد ، أنا وحدي "
    وحدك ؟ أليس ( عزيزك ) معك ؟؟ عودي إليه !
    " أعرف "
    توقعت بعد ذلك أن تعود للداخل لإتمام مكالمتها ، لكنها على العكس من ذلك خرجت و وقفت قرب الباب ... تراقبني !
    قالت :
    " يجب أن أخلد للنوم الآن ... أغادر عند السابعة و النصف صباحا "
    " حسنا . اطمئني ، سأنهض في الوقت المناسب "
    صمتت قليلا ، ثم قالت :
    " ألن تنام الآن ؟؟ "
    " لا ! لا يزال الوقت مبكرا بالنسبة لي ، كما و أنني سأنتظر دانة ... اذهبي أنت "
    و ظلت واقفة مكانها ...
    و حين رأت علامات التعجب فوق رأسي قالت :
    " ألن تأتي معي ؟؟ "
    " إلى أين ؟؟ "
    " إلى الداخل "
    " سأبقى هنا لبعض الوقت ! "
    و لم أر منها أي بادرة تشير إلى أنها تعتزم الدخول !
    " ما المشكلة ؟؟ "
    " لا تخرج وليد رجاء ً "
    " لا أنوي الخروج أبدا ... "
    " إذن أدخل "
    يا لهذه الفتاة ! ألم تعد تصدقني أبدا ؟؟ أم تظن أنني سأرحل و أتركها و دانة هكذا ؟؟
    تخلصت من سيجارتي ، و دخلت معها . هي ذهبت للنوم و أنا بقيت أشاهد التلفاز لساعتين ، حتى عادت دانة من سهرتها !
    " وليد سأذهب و نوّار غدا لشراء بعض حاجيات منزلنا عصرا و قد أغيب حتى الليل "
    " و رغد ؟؟ تتركينها وحدها ؟؟ "
    " لا ! أتركها معك ! "
    في صباح اليوم التالي نهضت باكرا و استعددت لمرافقة رغد إلى الجامعة ...
    كنت في المطبخ و قد أعددت بعض الشاي و جعلت أحتسيه ببطء .. و أراقب عقربي الساعة اللذين يقتربان من السابعة و النصف ...
    و أخيرا ظهرت رغد !
    أهناك أجمل من أن تستقبل صباحك برؤية وجوه من تحب ؟؟
    قلت :
    " صباح الخير ... صغيرتي "
    ردت بشيء من الخجل ... !
    قلت :
    " أأ ... أ نذهب الآن أم .. ترغبين بتناول الفطور ؟؟ "
    نظرت رغد نحو إبريق الشاي الذي أعددته ، و قالت :
    " هل من مزيد ؟؟ "
    قلت متوترا :
    " نعم ، أعتقد ، أجل ... تفضلي "
    و أنا في خشية من ألا يعجبها طعم الشاي البسيط الذي أعددته !
    سكبت لها قليلا منه في أحد الأكواب و رشفت منه قليلا
    لم يظهر على وجهها أي استياء
    الحمد لله ! فشايي مقبول الطعم !
    و بعدها شربت المقدار كاملا ، ثم غادرنا المنزل
    الجو كان منعشا جدا و من خلال نوافذ السيارة النصف مفتوحة تتسلل تيارات الهواء الباردة عابثة بشعري !
    رغد كانت تجلس خلفي ملتزمة الصمت ... و رغم برودة الجو ، ألا أن مجرد وجودها في الصورة يكفي لجعل الحريق ينشب في داخلي ....
    في عصر ذلك اليوم و بعدما خرجت دانة مع خطيبها بقينا وحدنا في المنزل ، هي في غرفتها كالعادة ، و أنا لا أجد ما أفعله !
    شعرت بملل شديد و أجريت عدة مكالمات مع بعض معارفي من أجل تمضية الوقت ألا أن الساعات مرت بطيئة جدا ...
    لم لا أخرج في نزهة بسيطة ... و آخذها معي ؟؟
    أتراها ترحب بذلك ؟؟
    أ أكون مجنونا إن طلبت ُ هذا ؟؟
    لم لا أجرّب ؟!
    ذهبت إلى غرفتها و طرقت الباب ، و بعد قليل فتحته ...
    " هل أنت مشغولة ؟؟ "
    " أهناك شيء ؟؟ "
    " كنت ... أرغب بالخروج للتنزه لبعض الوقت و شراء بعض الحاجيات "
    و بدا على وجهها الاعتراض و قالت بسرعة :
    " و تتركني وحدي ؟؟ "
    قلت :
    " لا ، لا ... أصطحبك معي ... إن كنت لا تمانعين ؟ "
    ترددت رغد قليلا ثم قالت :
    " حسنا و لكن لفترة قصيرة فأنا أريد أن أذاكر "
    " نعم ، لساعة لا أكثر "
    و خرجنا معا ...
    حينما مررت قرب إحدى الصيدليات أوقفت سيارتي و هممت بالنزول قائلا :
    " سأشتري بعض الأشياء و أعود سريعا "
    رغد فتحت الباب مباشرة و هي تقول :
    " سآتي معك "
    قلت :
    " لن أتأخر ! "
    قالت :
    " ليكن ، سآتي معك "
    كنت أنوي شراء ما نفذ من أدويتي ، و بعض الأشياء الأخرى ...
    تجولت بالسيارة على الشوارع الداخلية للمدينة ... و مررنا بعدة محلات و متاجر ...
    سألتها بعد ذلك عما إذا كانت ترغب في شراء أي شيء ، أجابت بالنفي ، قلت :
    " و لا حتى ... بعض البوظة ؟؟ "
    قالت :
    " البوظة ثانية ؟؟ لم ؟ هل قررت الرحيل هذه الليلة ؟؟ "
    انزعجت من كلامها فقلت :
    " و هل أنا مجنون لأرحل و أترككما وحدكما ؟؟ "
    قالت :
    " لا ... لست مجنونا "
    ثم أضافت :
    " إنما كذاّب "
    عند هذه اللحظة قررت إنهاء جولتنا القصيرة ، و عدت إلى البيت .
    لم أنطق بكلمة بعد ، و دخلنا المنزل و ذهبت هي مباشرة إلى غرفتها و بقيت أنا في الردهة ، أكثر ضيقا مما كنت عليه قبل خروجي ...
    لماذا لا تتوقف عن نعتي بهذا ؟؟
    ألا تدرك أنها تجرحني ؟؟
    يجب أن أضع نهاية لهذا الموقف ...
    فيما بعد ... ذهبت لأسألها عما إذا كانت ترغب في أن نحضر عشاء ً من أحد المطاعم ، بما أن دانة ستتناول عشاءها مع خطيبها ...
    كان باب الغرفة مفتوحا و كانت هي تستعرض بعض لوحاتها ...
    " أيمكنني أن أتفرج عليها ؟؟ "
    " حسنا ... هذه الجديدة "
    كانت الرسومات جميلة و متقنة ... و فيما أنا أتفرج عليها واحدة تلو الأخرى رأيت شيئا أذهلني !
    أتذكرون صورتي التي رسمتها رغد في السابق ! كانت ضمن المجموعة ... إلا أن شيئا قد تغير !
    كانت العينان حمراوين !
    عندما وقعت يدي و عيني على هذه الصورة ، أسرعت رغد بسحبها مني !
    قلت :
    " دعيني أرى ! "
    قالت بارتباك :
    " هذه لا ! "
    قلت :
    " ماذا فعلت ِ بعيني ّ ؟؟ "
    قالت :
    " لا شيء ! "
    " لكن لم طليتهما باللون الأحمر ؟ "
    نظرت نحوي بحدة و قالت :
    " هكذا هي عيون الكذابين "
    اشتططت غضبا و رميت ببقية اللوحات على المكتب و خرجت من الغرفة ...
    و نسيت أمر العشاء و كل أمور الدنيا عدا موقف رغد المزعج مني ...
    و من حينها بدأت أعاملها بالمثل ... ببعض الجفاء .
    توالت الأيام ، و الأجواء بيننا متنافرة ، أقوم بواجباتي بصمت و لا أتبادل أحاديث تذكر معها ... حتى أقبل يوم الأربعاء ، و هو اليوم الذي يأتي سامر فيه لقضاء عطلة نهاية الأسبوع معنا ...
    مع اقتراب موعد حضوره تعمدت ملازمة الغرفة فأنا لا أريد أن أشهد استقبالا حميما من النوع الذي يقرح المعدة ... بين الخطيبين ....
    و أول حديث دار بينه و بيني :
    " ألا يمكنك أخذ إجازة من الآن يا سامر ؟ "
    " لا أستطيع ! و لكن ... هل واجهت أي مشاكل ؟؟ "
    " لا ، غير أنني سئمت و أود المغادرة ! "
    و انتهزت فرصة تواجد سامر و قضيت معظم الوقت خارج المنزل ...
    ليس لأنني أرغب في الترويح عن نفسي بل لأنني لا أرغب في التواجد في مكان يجمعهما ...
    و مهما توهمت أنها عادت لي ، في النهاية ... استيقظ على الواقع المر ... أنها أصبحت له .

    ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~
    أخبرني سامر بأن وليد أبلغه عن سأمه من رعايتنا أنا و أختي دانة !
    الأمر أزعجني كثيرا ... رغم أنني أعرف أنه لا يهتم بنا .. أو على الأقل لا يهتم بي
    لم تكن بالفترة الهينة تلك التي قضيتُها مع وليد تحت سقف واحد !
    كنت أجبر نفسي على التظاهر بالاستياء و الانزعاج منه لأكتم حقيقة تصرخ في داخلي ... أنا سعيدة بوجوده و أكاد أطير فرحا ...
    و فرحتي هذه تنتهي في الليل ببحر من الدموع و الآهات ، للمصير الذي ينتظرني
    ليت أحدا يشعر بي !
    ليت أحدا ينقذني !
    سامر كانت يتحدث معي بلهفة و شوق ... و كلما رأيت منه هذه المشاعر كرهت نفسي و كرهت الدنيا أكثر فأكثر ...
    لم يكن لدي سوى نهلة أبثها همومي ...
    و سأدعوها الليلة لقضاء بعض الوقت معي بعد أن يغادر سامر
    وليد كان قد خرج منذ الصباح و لم يعد حتى الآن !
    إنها الرابعة عصرا و سامر يريد الذهاب ...
    ألهذا الحد هو ـ أي وليد ـ متضايق من وجوده معنا و لم يصدق أن جاء سامر ليخرج دون عودة !
    " تأخر وليد ! سأتصل به "
    قال سامر ، فعقبت :
    " ربما رحل ! "
    نظر إلى سامر باستغراب و قال :
    " رحل ! مستحيل طبعا ! كيف يرحل هكذا ؟؟ "
    قلت :
    " إنه يرحل هكذا دون مقدمات ! أم نسيت ذلك ؟؟ "
    " لكن الآن مستحيل "
    و ذهب للاتصال به .
    عندما فرغ من مكالمته قال :
    " إنه في طريقه إلى هنا "
    و شعرت بالاطمئنان ...
    قلت ُ :
    " متى ينقضي هذا الأسبوع ... "
    كنت أعني أن تعود أمي و يعود أبي ، و تعود الأمور إلى أماكنها ، إلا أن سامر فهم حسب مزاجه !
    ابتسم ابتسامة لطيفة و أمسك بيدي و قال بصوت حنون :
    " أنا أيضا أنتظر على نار ! متى يا رغد ! متى ينقضي ! "
    و لم ينقذني من نظراته تلك غير رنين الهاتف ...
    أسرعت إليه و كان والدي على الطرف الآخر ...
    كان والداي يتصلان من حين لآخر خلال الأيام المنصرمة ، و هذه المرة تعمدت الإطالة في الحديث معهما و استدعيت دانة من أجل وضع حواجز بيني و بين نظرات سامر ...
    أنا لم أعد أحتمل ... ليتني أستطيع قول شيء ... سامر ... سامحني ... لكني لا أحبك ... و لا أريد الزواج منك ! ألا تلاحظ ذلك ؟؟
    بعد قليل وصل وليد ...
    قال سامر ممازحا :
    " ما هذا يا رجل ! أخبرني أين كنت تتسكع كل هذه الساعات !؟ "
    وليد لم يبد عليه أي علامات المرح ! بل كان عابسا !
    قال سامر :
    " علي ّ أن أذهب الآن ... "
    ثم أضاف و هو ينقل بصره بيني و بين دانة :
    " اعتني بشقيقتي و عروسي جيدا ! "
    قال وليد بنبرة حادة تنم عن الاستياء :
    " لست ُ بحاجة لتوصية ، ماذا تظنني كنت ُ أفعل ؟ أتركهما و أتسكع في الشوارع ؟؟ "
    فوجئنا أنا و سامر و دانة بالنبرة الغريبة التي تحدث بها وليد ، و كلماته الجدية القوية !
    سامر قال :
    " كنت أمزح يا رجل ما بك ! ؟؟ "
    لم يرد وليد ... بل جلس على المقعد ، و نزع ساعته و أخرج هاتفه المحمول و محفظته و مفاتيحه من جيبه و وضعها جميعا على المنضدة و أسند رأسه إلى المسند بشكل يفهم الناظر إليه بأنه مستاء جدا ...
    تبادلنا نحن الثلاثة النظرات ... المتعجبة
    قال سامر :
    " ما بك وليد ؟؟ "
    " لا شيء "
    "تبدو مستاء ً ... هل حدث شيء ما ؟؟ "
    " قلت ُ لك لا شيء ! ألا تسمع ؟؟ "
    صمت الاثنان قليلا ، ثم قال سامر :
    " إن كان البقاء هنا يزعجك لهذا الحد ... "
    و لم يتم إذ أن وليد قال مقاطعا :
    " أنا هنا الآن ... انصرف مطمئنا على عروسك و أختها ... إن هي إلا أيام فقط و ينتهي كل شيء "
    لم يجرؤ أحدنا على النطق بكلمة بعد ...
    رافقنا سامر إلى البوابة الخارجية و قبل انصرافه قال :
    " هل هناك شيء ؟؟ هل هو عصبي هكذا معكما ؟؟ "
    دانة قالت :
    " لا مطلقا ! على العكس تماما ، لكن ... اعتقد أن شيئا ما حدث معه و هو في الخارج ! "
    عندما عدنا للداخل ، وجدنا وليد و قد اضطجع على المقعد و غطى عينيه المغمضتين بذراعه ...
    شعرت ُ بالقلق الشديد عليه ... إذ يبدو من تصرفه و منظره الآن أن شيئا ما قد ضايقه كثيرا ... فهل هو مستاء من البقاء معنا ؟؟
    قالت لي دانة :
    " سيمر نوّار لاصطحابي إلى السوق بعد قليل "
    " ماذا ؟؟ ستخرجين و تتركيني ؟؟ "
    " ألن تأتي نهلة لزيارتك الليلة ؟؟ "
    " بلى و لكن إلى ذلك الحين ، هل سأظل وحدي ؟؟ "
    " وحدك ؟؟ و معك كل هذا ؟؟ "
    و أشارت بيدها نحو وليد
    قلت ُ بقلق :
    " إنه يبدو مخيفا ! "
    ضحكت دانة و قالت :
    " حتى وليد !؟ أخشى أنك تشعرين بالخوف من زوجك أيضا ! "
    و انصرفت إلى غرفتها تستعد للخروج ...
    بقيت ُ أنا واقفة أراقب وليد الذي يبدو أنه نام !
    خطوة خطوة ، بهدوء تام اقتربت ُ منه !
    كان لدي فضول لألقي نظرة عن كثب على الأشياء التي وضعها على المنضده

    littledoctor
    مشرف المنتدى الأجتماعى
    مشرف المنتدى الأجتماعى

    عدد المساهمات: 303
    تاريخ التسجيل: 10/05/2010

    تابع الحلقة 21

    مُساهمة  littledoctor في السبت 23 يوليو 2011 - 1:36

    كان لدي فضول لألقي نظرة عن كثب على الأشياء التي وضعها على المنضدة !
    يبدو شكل ميدالية المفاتيح جذابا ! مع أنه قديم !
    مددت يدي بحذر حتى أمسكت ُ بالميدالية و حركتها ببطء فأصدرت صوتا خفيفا ، راقبت وليد بتمعن ، و لم ألحظ عليه أي حركة ...
    الآن الميدالية في يدي ! ما أكثر المفاتيح !
    و الآن ، هل أستطيع أن ألقي نظرة على الهاتف أيضا ؟؟ إنه من طراز مختلف عن هاتفي سامر و أبي !
    مددت يدي نحو الهاتف و لم أكد ألمسه !
    " ماذا تفعلين !؟ "
    قال وليد فجأة وهو يزيح ذراعه عن عينيه و ينظر إلي !
    جفلت ُ و أصبت ُ بالروع فانتفضت ُ فجأة !
    وقعت المفاتيح من يدي على المنضدة
    هم وليد بالجلوس و رأيت وجهه شديد الإحمرار و زخات من العرق تلمع على جبينه ...
    شعرت ُ بارتباك ٍ شديد و قبل أن يستوي جالسا أطلقت ساقي للريح و فررت هاربة !
    في غرفتي بعد ذلك تنفست الصعداء !
    كم يبدو مخيفا هذا الرجل !
    هل ظن أنني أحاول سرقته ؟؟
    ما الذي دفع بي إلى حماقة كهذه !
    عندما أخبرت ُ نهلة بالأمر لاحقا انفجرت ضاحكة
    كنت قد اصطحبت ُ نهلة إلى غرفتي كالعادة ، و تركت وليد في البداية مع حسام ثم وحيدا بعد انصرافه
    عادة ما تطول جلساتنا أنا و نهلة و بالتالي سيظل وليد وحيدا في المنزل ، و أخشى أن يخرج ...
    " سوف أذهب لأتأكد من وجوده ! "
    " هيا رغد ! لا أظنه سيغادر و هو يعلم أنك وحدك ! "
    " بل أنت ِ معي ! "
    قالت نهلة و هي تنفخ صدرها و تقطب حواجبها و ترفع كتفيها ـ كعادتها حين تتقمص شخصية رجل :
    " ما دمت ُ معك ِ فلسنا بحاجة لوجود أي وليد ! "
    خرجت ُ من الغرفة لهدفين : لجلب بعض العصير ، و لتفقد وليد !
    و الهدفان وجدتهما في المطبخ !
    واحد بارد
    و الثاني حار !

    هو يجلس على المقعد يقلّب صفحات إحدى الصحف ، لكني متأكدة من أن عينيه تخترقان الأوراق !
    تناولت ثلاثة كؤوس و ملأت اثنين منها بالعصير البارد الذي أعددته قبل ساعة و وضعتهما في صينية ...
    ثم قلت :
    " أترغب ببعض العصير ؟؟ "
    قال دون أن يرفع عينيه عن الصحيفة :
    " نعم ، شكرا "
    سكبتُ العصير في الكأس الثالث و حملته إليه ...
    وضعته قربه على المنضدة ، و سرعان ما أمسك به و دلق نصف محتواه في جوفه دفعة واحدة !
    كان باردا جدا ، و يكاد يتجمد !
    كيف استطاع شربه بهذا الشكل !؟؟
    كل هذا و عيناه محدقتين في الصحيفة !
    حملت ُ الصينية و سرت نحو الباب ...
    " رغد "
    نطق باسمي بغتة كدت معها أترنح و أسقط الصينية من يدي بما حوت !
    التفت إليه فرأيته ينظر إلي ...
    قلت :
    " نعم ؟؟ "
    فجاء صوتي أشبه بصوت تلميذة نسيت حل الواجب و تقف بذعر أمام معلمتها !
    قال :
    " هل أجلب لكما طعاما للعشاء من أحد المطاعم ؟؟ "
    قلت بسرعة :
    " ماذا ؟؟؟ لا ! "
    قال :
    " و لكن هل ستتركين ضيفتك دون عشاء ؟ "
    " لا تهتم ، إنها نهلة لا غير ! ... "
    " و لكن ... حسنا ... كما تشائين "
    و عاد يطالع الصحيفة...
    هممت أنا بالإنصراف ، ثم توقفت ُ و قلت :
    " لا تخرج وليد "
    فرأيت عينيه تنظران إلي من فوق الصحيفة ... بحدّه !
    أسرعت ُ خطاي نحو غرفتي حيث نهلة ، دفعت إليها بالصينية فأمسكت بها و أنا تهالكت على السرير !
    " حمدا لله على السلامة ! "
    ضحكت من تعليق نهلة رغم أنني لا أجد الوقت مناسبا للضحك !
    قلت :
    " مرعب يا نهلة ! اليوم يبدو مخيفا جدا ! كالفهد الأسود ! "
    " صحيح ؟؟ دعيني أرى ! "
    " أوه نهلة ! توقفي عن ذلك ! "
    ضحكت نهلة و وضعت الصينية على المنضدة و أحضرت لي العصير و هي تقول :
    " خذي اشربي ، فأنت ِ تبدين كاللبؤة الحمراء ! "
    أخذت منها الكأس و رشفت رشفة صغيرة ...
    " بارد جدا ! "
    قالت نهلة :
    " أنت حارة جدا ! هيا اشربيه ! "
    بعدما فرغنا من شرب العصير ... قلت :
    " اليوم ... بدا مستاء ً من شيء ما ... عندما يكون مغتاظا فإنه يصبح ... يصبح ... جذابا جدا ! "
    نهلة كتفت يديها و قالت :
    " رغد ! عدنا للجنون ؟؟ ! "
    كلمتها هذه أيقظتني من غفوتي القصيرة في عالم الوهم ...
    و حين رأت نهلة تعبيرات الأسى تعود للظهور على وجهي قالت بعطف :
    " عزيزتي ... أنا قلقة بشأنك و أخشى ... أن تحطمي نفسك بهذا الشكل "
    وقفت كشخص يخرج من البحر ... و يرفع رأسه للأعلى محاولا الفرار من الأمواج التي لا شك مهلكة إياه ... و قلت :
    " إن كان علي أن أعيش مع شخص لا أحبه طوال عمري ، فهل كثير علي أن أسعد نفسي بأوهام عابرة قبل الغرق في بحر الواقع ؟؟ "
    وقفت نهلة ازائي و قالت :
    " لم يفت الأوان بعد ... إن أردت أن تتشبثي بطوق النجاة ... "
    طردت الأفكار السخيفة التي غزت رأسي لحظتها ، و هززت رأسي لأتأكد من نثرها خارجا ...
    ثم قلت :
    " دعينا من ذلك ، ما رأيك بالخروج معي إلى السوق غدا سأشتري ملابس للعيد !؟؟ "
    نهلة استجابت لرغبتي في محي الألم ، و قالت مشجعة :
    " فكرة رائعة ! "
    بعدما انصرفت نهلة ، و كان ذلك قرابة العاشرة مساء ً ، بحثت عن وليد فوجدته يشاهد التلفاز في غرفة الضيوف ...
    " وليد "
    لم يجب ، فقط نظر إلي ...
    " أنا آسفة لكنني أخشى البقاء في البيت مع ابنة خالتي وحدنا "
    لم يعلّق !
    قلت :
    " دانة لم تعد "
    " أعرف "
    " أأ ... أردت أن أطلب منك شيئا ... إن سمحت "
    " تفضلي ؟؟ "
    " غدا أود الذهاب إلى بيت خالتي لأصطحب نهلة إلى السوق ... ممكن ؟؟ "
    " حسنا "
    و أبعد نظره عني ، إلى التلفاز !
    قلت :
    " أترافقنا إلى السوق ؟ "
    قال بنفاذ صبر و ضيق :
    " ألم أقل حسنا ؟؟ إذن حسنا "
    لم تعجبني الطريقة التي تحدث بها ... و لكني أردت أن أوضح الأمر أكثر :
    " أعني أن تلازمنا أثناء التسوق ... أيمكنك ذلك ؟؟ "
    قال بنبرة ضايقتني كثيرا جدا :
    " نعم ، كما تأمرين يا ابنة عمي ... ألست ُ هنا لحراستك ؟ سأنفذ وصايا خطيبك و والديه بدقة ، ماذا بعد ؟؟ "
    وقفت مذهولة من جملته هذه ... فهل يظن هو أن وجوده يعني فقط مهمة حراسة و خدمة موكلة إليه سينتهي منها و يختفي من جديد ؟؟
    هل أعني أنا له فقط مهمة مؤقتة مجبور على تنفيذها كارها ؟؟
    قلت بانفعال :
    " انس الأمر ، لن أذهب معك لأي مكان "
    و خرجت من الغرفة بسرعة ، و إلى غرفتي ... و إلى دموعي !
    دقائق و إذا به يقف عند الباب ...
    " أنا آسف رغد ! أرجوك لا تبكي بسببي "
    مسحت دموعي و قلت بعصبية:
    " أنا الآسفة لأنني حملتك ما لا ترغب في تحمله ! و لكن من كان ليرافقني و أبي و سامر غائبان ؟؟ من كان سيهتم لأمري و أنا لا أهل لي سواكم ؟؟ "
    قال :
    " لم أقصد ... أرجوك لا تسيئي فهمي "
    قلت :
    " حسام لا يوافق أبدا على مرافقتنا إلى السوق و إلا لكنا ذهبنا معه ... إن هي إلا أيام و تتخلص من هذا العبء الثقيل و مني "
    وليد قال بعصبية :
    " قلت لك لم أقصد هذا .. سأرافقكما إلى حيث تشاءان توقفي عن البكاء الآن "
    وليد كان مستاءا جدا كما ظهر من تعبيرات وجهه و انفعاله
    كتمت دموعي رغما عنها ، و أنهيت المشادة بسلام ...
    في اليوم التالي رافقنا إلى السوق و اشتريت الكثير من الحاجيات .. و الأسواق كانت مزدحمة جدا بالناس ! فغدا هو عيد الحجاج !
    و كان من بين ما اشتريت هدية لدانة و أخرى لوليد ! طبعا لم أدعه يلحظهما ...
    كان يسير إلى جانبنا و يساعدنا في حمل الأكياس ! و نهلة بين حين و آخر تلقي بتعليقاتها المداعبة حوله !
    اعتقد أنني بالغت كثيرا في تسوقي ! و بالتأكيد شعر وليد بالضجر ... إلا أن وجوم وجهه منعني من تقديم أي اعتذار !
    عندما أوصلنا نهلة إلى بيتها دخلت معها لبعض الوقت لألقي تحياتي على العائلة ، و خرج حسام و تحدث مع وليد ...

    اخترت هدية لدانة هذه المرة علبة أنيقة لحفظ المجوهرات ، أما لوليد ـ و لأنني لا أفهم في هدايا الرجال و قلما أهدي أبي أ و سامر شيئا ـ فقد اشتريت له ميدالية مفاتيح أكثر جمالا و أناقة من ميداليته الحالية !
    كنت سعيدة بما اشتريت ! هل ستعجبه هديتي ؟؟
    عندما عدنا للبيت وجدنا دانة و قد دعت خطيبها لقضاء أمسية معها في المنزل ...
    ما أن علم وليد بوجود نوار حتى سأل دانة :
    " متى سيغادر ؟؟ "
    قالت :
    " منتصف الليل ! لم ؟؟ "
    قال :
    " مادام موجودا هنا إذن أستطيع الخروج قليلا ! "
    و نظر باتجاهي ...
    لم يكن باستطاعتي منعه ... لكنني اغتظت ُ من إثباته مرة بعد أخرى بأنه يفتش عن أقل فرصة ليغادر المنزل ... و يبتعد عني ...
    هذا أثار جنوني و سخطي الشديد !
    و مرت الساعات و أنا وحيدة في غرفة المعيشة ... دانة تستمتع بوقتها مع خطيبها المغرور في ليلة العيد و وليد يتجول في مكان ما ... و أنا مرغمة على مشاهدة التلفاز وحيدة !
    أُف ... متى يعود هذا ؟؟
    و اقتربت الساعة من الثانية عشر منتصف الليل ... أنا أشعر بالنعاس و لكنني لا أستطيع النوم قبل أن يعود !
    لماذا لم يعد حتى الآن ؟؟
    هل فعلها و رحل ؟؟
    طبعا مستحيل ...
    كنت ُ على وشك الاتصال به حين سمعت صوت الباب ينفتح ، فأسرعت نحو المدخل و رأيت وليد يدخل و يغلق الباب خلفه
    حين رآني قال :
    " ألا زلت ِ مستيقظة !؟ "
    قلت بتوتر :
    " لماذا تأخرت ؟؟ "
    قال :
    " هل حدث شيء ؟ "
    قلت :
    " و هل كنت تنتظر أن يحدث شيء حتى تعود ؟؟ لا تدعني وحيدة هكذا ثانية "
    و زادني حنقا البرود الذي قابلتني به نظراته !
    و ببساطة قال :
    " حسنا "
    ثم سار ذاهبا إلى غرفة سامر !
    لماذا يعاملني بهذا البرود ؟؟ أكاد أجن ... لم لا يدع لي فرصة لأعطيه هديته ؟؟
    بعد نصف ساعة غادر نوّار ، و تعجبت دانة لدى رؤيتي ساهرة لهذا الوقت أمام التلفاز !
    " متى ستنامين ؟؟ "
    " متى ما شعرت بالنعاس ! "
    و تركتني هي و أوت إلى فراشها ... ففكرت في إهدائها الهدية غدا ...
    الساعة الثانية عشر و النصف ، رأيت وليد يقدم إلى غرفة المعيشة ...
    كان شعره مبللا ... لابد أنه كان يستحم !
    قال :
    " ألم تنامي بعد ؟؟ "
    قلت :
    " لا أشعر بالنعاس ... أصابني الأرق و الإجهاد ! "
    لم يكترث لي ، بل ذهب إلى المطبخ ، ثم عاد و مر بي قبل ذهابه للنوم ... قال :
    " تصبحين على خير "
    و أولاني ظهره ...
    سيطر علي الغضب من إهماله لي ! قبل أن ينصرف ناديته بسرعة :
    " وليد "
    استدار إلي و لم يتكلم بل انتظر سماع ما سأقوله ...
    أنا فقدت شجاعتي التي كنت أتوهم امتلاكي لها ... و وقفت بخجل و ارتباك و أنا اخفي العلبة خلف ظهري !
    وليد راقبني بحيرة و ضجر !
    اقتربت منه شيئا فشيئا و أنا مطأطئة الرأس خجلا و بالتأكيد وجنتاي متوهجتان احمرارا !
    رفعت بصري بحياء و قلت :
    " كل عام و أنت َ بخير "
    ثم أظهرت الهدية و قدّمتها إليه :
    " هذه ِ لك "
    لقد كانت يداي ترتجفان و أنا أقدمها نحوه ، و بالتأكيد لحظ هو ذلك ...
    نظراتنا الآن متشابكة ... كنت أبحث عن أي كلمة شكر أو إشارة سرور ...
    و أخيرا ابتسم وليد ابتسامة جميلة مذهلة و قال بارتباك ...
    " و ... أنت ِ بخير ! ... أأ ... شكرا ! "
    وليد مدّ يده و أمسك بالهدية ...
    قال :
    " هل أفتحها ؟؟ "
    غضضت ُ بصري حياء ً و قلت :
    " كما تشاء "
    و هم هو بفتحها ، بينما قلبي أنا يخفق بشدة !
    لكن الصوت الذي سمعته ليس صوت انفتاح العلبة ، بل صوت انفتاح باب ...
    رفعت نظري إليه و حدقنا ببعضنا برهة ، و نحن نسمع صوت باب المدخل ينفتح ...
    شعرت بذعر ...
    قلت :
    " ما هذا ؟؟ "
    وليد سار ببطء و حذر ذاهبا ناحية الباب و تبعته أنا بخوف ...
    قال وليد قبل أن يصل إلى المدخل :
    " من هناك ؟؟ "
    أنا أردت أن أمسك بيد وليد من الذعر ... ربما يكون أحد اللصوص ...
    وليد أشار إلي أن ألزم مكاني ، و تقدم هو نحو المدخل ...
    أوشك قلبي على الوقوع أرضا ...
    و للمفاجأة المذهلة رأينا سامر يظهر أمامنا !
    وقفنا متسمرين في مكانينا في ذهول !
    قال وليد :
    " سامر !! "
    سامر نظر إلينا بدهشة هو الآخر ، و قال :
    " آه ! أنتم مستيقظون ؟ "
    قال وليد :
    " هل هناك شيء ؟؟ "
    قال سامر :
    " أردت ُ أن أفاجئكم بظهوري غدا ! لكن أُفسِدت ْ المفاجأة ! "
    الآن سامر نظر إلي و ابتسم ، و قال :
    " لم أشأ أن يمر العيد و أنا بعيد جئت أشارككم ! "
    و أقبل نحوي ، و أمسك بيدي و قال :
    " عروسي ... كل عام و أنت ِ بخير ! "


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 1 نوفمبر 2014 - 8:11